أصول الدين للشيخ تبغورين-جديد
الجزء ١ · صفحة ٤٣والقول الفصل في هذه القضيّة، وفي هذا الوقت الذي بدأ فيه التّفتّح يسود المجتمعات الإسلاميّة، والتّسامح ينبعث من القلوب، ويعانق بينها. وجب أن نقول اليوم أن الذين نفوا الرّؤية عن الباري سبحانه وتعالى، قد نزّهوه بذلك عن التّشبيه، وكلّ صفات النّقص، كالتّحيّز، والتّجسيم، وقصدهم في ذلك كلّه حبّا في ذات الله أن توصف بغير صفات الكمال. والذين أثبتوا الرّؤية لذات الباري سبحانه وتعالى، فإنّ تعلّقهم به وحبّهم لذاته، دفعهم لإثبات الرّؤية، ليروه رغبة فيه. ولم يكن قصدهم التّجسيم، ولا أن يوصف بصفات غير صفات الكمال. وإذًا ينبغي أن يحترم كلّ فريق، وجهة نظر الفريق الثّاني، ولا داعي إلى التكفير، والتّفسيق، والتّبديع. فهذا الذي ينبغي أن يسير عليه المسلمون طبقا لقوله - صلى الله عليه وسلم - :« المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، وحسب ابن آدم من الشرّ أن يحقر أخاه، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه، وماله وعرضه، التّقوى ههنا، ههنا، وأشار - صلى الله عليه وسلم - بإصبعه إلى قلبه ».
وقد أنكر الشّيخ تبغورين الرّؤية في الدّنيا والآخرة بقوله: " ومن زعم أنّ الله يُرى في الدّنيا أو تَمكن رؤيته، أو رآه أحد من خلقه، أو يُرى في الآخرة، مثل كذا وكذا، فمثله بشيء من خلقه، أو حدَّ له مكانا دون مكان، أو وصفه بنهاية، أو أطراف، فهو مشرك، والشّاكّ فيه مثله، ومن نفى عنه الشّرك فهو كافر والشّاكّ فيه مثله ".
وقد ردّ المصنّف على المشبّهة الذين يرون أنّ موسى عليه السّلام سأل أن يرى ربّه فقال: " إنّ موسى لم يسأل أن يرى ربّه عيانا، مثلما سألت اليهود، وإنّما سأل أن يُريه آية من آياته، وعجبا من عجائبه، حين قال: ﴿ ربي أرني أنظر إليك ﴾ (الأعراف:143) أي أريد أن أنظر إلى آية من آياتك، وعجب من عجائبك، فهذا وجه سؤال موسى عليه السلام رَبَّهُ تبارك وتعالى والتأويل مخالف للقراءة ".