كتاب أصول الدين (الأصول العشرة) تبغورين بن عيسى بن داود الملشوطي

أصول الدين للشيخ تبغورين-جديد

الجزء ١ · صفحة ٤٥

ومما يدّل على أنّ الله نفى الرؤية قوله تعالى: ﴿ لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقرّ مكانه فسوف تراني ﴾ (الأعراف:143) فعلّق الرؤية باستقرار الجبل أو باستقراره بعد تحرّكه، وتدكدكه، أو علّقها به حال تحركه. ولا يجوز أن تكون الرؤية علّقها باستقرار الجبل، لأنّ الجبل قد استقرّ، ولم ير موسى ربّه.(1) ودليل آخر هو قوله تعالى: ﴿ لن تراني ﴾ فلن هنا موضوعة للتأبيد، فقد نفى الله أن يكون مرئيا البتّة وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه. وسؤال موسى هذا يظهر على ظاهره أنّ موسى هو الذي طلب الرؤية، فالأنبياء لهم من الأدلة القطعية على إيمانهم بالله، فلا يطلبون رؤيته تعالى، ولهذا كان سؤالا عن قومه، والذي يدلّ عليه، قوله عزّ وجلّ لمحمد - صلى الله عليه وسلم - : « ويسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتابا من السماء، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: « أرنا الله جَهْرَةً »(النساء:153) وقوله عزّ وجلّ ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى الله جَهْرَةً ﴾ (البقرة: 55) وهذا تصريح من الله تعالى بأنّ القوم هم الذين حملوه على هذا السؤال. ويدل عليه أيضا، قوله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا» (الأعراف:155) فبيّن أنّ السؤال سؤال عن قومه، وأنّ الذنب ذنبهم.

والجدير بالملاحظة هو أنّ الشّيخ تبغورين في هذه المسألة وفي غيرها، نراه ينزّه الله تعالى عن التشبيه، إذ يرى أن من شبّه الله فهو مشرك. فالله عنده لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة بالأبصار عيانا أو جهرة.

(1) انظر القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، تحقيق، د. عبد الكريم عثمان، نشر مكتبة وهبة القاهرة، طبعة أولى 1965 ص265، وتبغورين يتفق مع رأي القاضي عبد الجبار والمعتزلة بصفة عامة في مسألة الرؤية.

٤٥ / ١٩١