كتاب أصول الدين (الأصول العشرة) تبغورين بن عيسى بن داود الملشوطي

أصول الدين للشيخ تبغورين-جديد

الجزء ١ · صفحة ٧

ودرست عائشة بنت معاذ على فطاحل العلماء في «آجلو» وبلغت درجة في العلم يعزّ على نظرائها بلوغها، منهم أبو العبّاس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر(1) التي قالت عنه:« لولاه لمتّ من الجهل»(2) .

وكان أبو العبّاس هذا دائرة معارف يجول في كلّ ميدان، وكانت دروسه تشبه أن تكون محاضرات تلقى في جميع الفنون، فكان المتفوقون من الطّلاب يلذّ لهم سماعه والسّباحة معه في الآفاق التي يسبح فيها.

وكانت عائشة هذه من أمهر السبّاحين في علوم الشّريعة بمختلف فروعها، وفي علوم اللّغة والأدب، وكانت ترى أن تعلّم اللّغة وآدابها وما تقوم عليه من نحو وصرف واجب أكيد على المسلم(3) حتّى يستطيع فهم كتاب الله وسنّة رسوله عليه السّلام.

وكانت تمثّل المرأة المسلمة المتعلّمة المستنيرة التي تشارك الرّجال في جميع الميادين الثّقافيّة دون أن تتخلّى عن رسالتها كأمّ ترعى بيتا، وترعى أولادا، وكزوجة تصون نفسها وبيتها وترعى زوجها في نفسها وفي ماله وفي بيته، وتوفّر له وسائل الرّاحة والسّعادة والاستقرار، ودون أن تلقى عنها ثوب الحياء والحشمة، فلم يعقها ثوبها النّسائي الفضفاض أن تناقش أذكى الطّلاب وأن تتفوّق عليهم(4) .

فقد كانت عائشة بنت معاذ في الجزائر بعلمها وسلوكها مثل أمّ ماطوس(5) في ليبيا، وقد أقامت هاتان المرأتان الحجّة على المرأة المسلمة المتفتّحة، وبرهنتا على أنّ الفتاة إذ شاءت فإنّها تستطيع أن تبلغ أقصى ما يبلغه الرّجال من المعرفة مع المحافظة على دينها وأخلاقها، وصيانة أسرتها وبيتها.

(1) 13) انظر ترجمته في: الدّرجيني، الطّبقات، 2/442، 443.

(2) 14) الشمّاخي: 422.

(3) 15) علي يحي معمّر (السّابق) ص 348.

(4) 16) نفس المصدر والصّفحة.

(5) 17) اسمها « عافية» عاشت في القرن الثّالث الهجري. انظر عنها: علي يحي معمّر (السّابق) ج2، القسم الثّاني ص85 وما بعدها. وص 239 إلى 260. الشمّاخي: السّير، ص317 وما بعدها.

٧ / ١٩١