محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٩

وسنحاول أن نورد بَعض أهمِّ التعاريف مع مناقشتها حسب ما يسمح به المقام، وغرضنا في هَذَا هو تدريب الطالب عَلَى التحليل والمقارنة والمناقشة والترجيح، وتمييز التعريف الجامع المانع من غيره.

تعريف ابن خلدون:

قال العلامة ابن خلدون (ت: 808هـ) فيِ مُقَدِّمَته: «هو علم يتضمَّن الحجاج عن العقائد الإيمانيَّة بالأدلَّة العَقلِيَّة، والردَّ عَلَى المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنَّة»(1)، والملاحظ في هَذَا التعريف عِدَّة أمور:

1 - يوحي تعريفه بِأَنَّ علم الكلام يهدف أساسا إِلىَ مُجَرَّد الدفاع عن العقائد، بينما الواقع أَنَّهُ يتضمَّن إثبات العقائد والدفاع عنها في آن واحد.

2 - قصر الاستدلال في علم الكلام عَلَى الأَدِلَّة العَقلِيَّة لا يطابق ما هو موجود في الكتب المؤلَّفة في الموضوع، ففيها استدلالات نَقْلِيَّة من الآيات القُرْآنيَّة والأحاديث النَّبَوِيَّة وشواهد اللغة العَرَبِيَّة جنبا إِلىَ جنب مع الاستدلال العقلي. فتعريف ابن خلدون من هَذِهِ الناحية مانع لِمَا يجب أن يدخل في التعريف.

3 - والملاحظة الثالثة وهي أهمُّها: أَنَّهُ حصر علم الكلام في ما وافق رأي السلفِ وأهلِ السنَّة، وهَذَا يعني أَنَّ ما ألَّفه علماء الإِبَاضِيَّة والشيعة والمعتزلة وغيرها من المذاهب الكلاميَّة الإِسلاَمِيَّة لا يعتبر من علم الكلام في شَيْء، وهذا جسَّد تسخير العلم «من أجل خدمة أهداف مذهبية ضيقة … ولا يعبر هذا الحصرُ عن الدور الفعلي الذي نهض به الكلام عبر التاريخ، بقدر ما يعبِّر عن لحظة تراجعه وانغلاقه»(2). وما كان ينبغي للباحث المسلم أن يقصي أيِّ فكر إسلامي مهما بدا أنه مخالف لآرائه أو متطرف؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحقُّ بها.

تعريف الجرجاني:

عرَّفه الشريف الجرجاني (ت: 816هـ) بقوله: «الكلام علم يبحث فيه عن ذات الله تَعَالىَ وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدإ والمعاد عَلَى قانون الإسلام، والقيد الأخير لإخراج العلم الإلهي للفلاسفة»(3)، ويبدو أَنَّ هَذَا التعريف غير مانع، فيدخل ضمن قوله: إِنَّهُ يبحث فيه عن} أحوال الممكنات} كلُّ ما هو ممكن الوجود من علوم الطبيعة والبيولوجيا والفيزياء والكيمياء … ثُمَّ يضيف تعريفا آخر وَهُوَ: «الكلام علم باحث عن أمور يعلم منها المعاد وما يَتَعلَّقُ به من الجَنَّة والنار والصراط والميزان والثواب والعقاب»(4). وَهَذَا التعريف غير جامع، لأَنَّهُ خصَّ علم الكلام بالمعاد فقط، بينما المعاد جزء من علم الكلام. ويضيف تعريفا ثالثا وَهُوَ: «وقيل: الكلام هو العلم بالقواعد الشَّرعِيَّة الاعتقادية المكتسبة من الأَدِلَّة»(5). ويبدو أَنَّ هَذَا التعريف أكثر جمعا، إِلاَّ أَنَّهُ اشتمل عَلَى جانب الإثبات للعقائد دون الجانب الدفاعي.

(1) ابن خلدون: مُقَدِّمَة، ص 458.

(2) بوهلال: إسلام المتكلمين، 19، بتصرف. وليس هذا التوجه جديدا لدى المدرسة السنية، فقد صرح الغزالي من قبل بقوله: «وأما الكلام فمقصوده حماية المعتقدات التي نقها أهل السنة من السلف الصالح لا غير». الغزالي: إحياء علوم الدين، 4/ 378. (نقلا عن بوهلال).

(3) الجرجاني: التعريفات، ص194.

(4) المصدر نفسه.

(5) المصدر نفسه. وله تعريف آخر، وَهُوَ غامض وفضفاض كَذَلِكَ، وَهُوَ «علم باحث عن الأعراض الذَّاتِيَّة للموجود من حيث هو عَلَى قاعدة الإسلام». المصدر نفسه، ص 162 - 163، مَادَّة: «علم».

١٠ / ١٥٥