محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٠

تعريف الإيجي والثميني(1):

عرَّفه عضد الدين الإيجي (ت: 756هـ) في} مواقفه} بِأَنَّهُ: «علم يقتدر معه عَلَى إثبات العقائد الدِّينِيَّة بإيراد الحجج ودفع الشُّبه»(2)، وأورد الشيخ عبد العزيز الثميني (ت: 1223هـ) نفس التعريف في كِتَابه} معالم الدين}(3)، وَفي تحليلهما لألفاظ التعريف يَتَبَيَّنُ لنا جليًّا وجه الاختلاف بينهما وبين ابن خلدون، إذ يقول الإيجي: «وَالمُرَاد بـ} العقائد} ما يُقصد به نفس الاعتقاد دون العمل. وبـ} الدِّينِيَّة}: المنسوبة إِلىَ دين محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فَإِنَّ الخصم وإن خطَّأناه لا نخرجه من علماء الكلام»(4).

هكذا نلاحظ أَنَّ التعريف الأخير هَذَا يعتبر أدقَّ من التي أوردناها سابقا، لأَنَّهُ جامع مانع. وبما أَنَّنَا ارتضيناه فلننتقل إِلىَ تحليله، لبيان مدى دقَّته.

تحليل تعريف الإيجي والثميني لعلم الكلام(5):

· علم: فالمراد بالعلم معناه الأعمُّ، فيشمل التصديق، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها.

· يقتدر: وَفي اختيار لفظة} يقتدر} عَلَى لفظة:} يثبت} إشارة إِلىَ أَنَّ الإثبات بالفعل غير لازم.

· معه: وَفي اختيار لفظة} معه} عَلَى لفظة:} به} ـ مع شيوع استعمالها ـ تنبيه عَلَى انتفاء السَّبَبِيَّة الحَقِيقِيَّة من الباء، إذ المراد الترتُّب العادي.

· إثبات: إشارة إِلىَ أَنَّ ثمرة علم الكلام الإثبات، لا مُجَرَّد التحصيل والاكتساب.

· العقائد: ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، كقولنا: الله تَعَالىَ عالم قادر سميع بصير … لا ما يقصد به العمل، كقولنا: الوتر واجب، فَإِنَّهُ يُدرس في فنِّ الفقه.

· الدِّينِيَّة: المنسوبة إِلىَ دين محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، سواء أكانت صوابا أم خطأً، فلا يخرج المخطئ في عقيدته من نطاق الانتساب إِلىَ الدين الإسلاميِّ، كما لا تخرج حججه من نطاق علم الكلام. وَهَذَا ما أشار إِلَيْهِ الإيجي والثميني ـ كما سبق ـ بقولهما: «فَإِنَّ الخصم وإن خطَّأناه لا نخرجه من علماء الكلام».

· الحجج والشبه: ليس الْمُرَاد أَنَّهَا كَذَلِكَ في نفس الأمر، بل بحسب من تصدَّى للإثبات بناء عَلَى تناول المخطئ.

نتيجة هذا التحليل:

بناء على تحليل هذا التعريف الذي ارتضيناه، فإن علم الكلام وسيلة لإثبات الاعتقاد الصحيح(6) والدفاع عنه. وعليه فإننا نفضل أن نستعمل مصطلح العقيدة للقضايا المتفق عليها بين جميع الموحدين. وعلم الكلام للمسائل التي وقع الاختلاف فيها بينهم، والمجادلات الحاصلة بشأنها.

(1) لاحَظ الباحث محمد بوهلال أن المتكلمين لم يُعرَّفوا علم الكلام إلا في زمن متأخر، نظرا للاضطرابات التي اكتنفته. وأول من عرَّفه منهم هو الإيجي (756هـ). وأما أول من وضع له تعريفا كصناعة فهو الفارابي، وليس متكلما بل فيلسوف، بقوله: «ملكة يُقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل». إحصاء العلوم، ص41. نقلا عن: بوهلال: إسلام المتكلمين، ص14.

(2) الإيجي، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد (ت: 756هـ): المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، د. ت.، ص7.

(3) الثميني: معالم الدين، ص5. وَهَذَا التعريف أَيضًا يرتضيه الدكتور عبد الرحمن بدوي، ويورده في كِتَابه: مذاهب الإسلاميِّين، بلفظ: «إثبات العقائد الدِّينِيَّة عَلَى الغير». مذاهب الإسلاميِّين، ج1/ ص7. وإضافة القيد الأخير: «على الغير» تحكُّم، لأَنَّهُ يمكن إثبات العقائد للنفس لا للغير، وَذَلِكَ حين تَعْرِض للمرء شُبه تلقيها النفس في الذهن، فيحاول إيجاد الردِّ عنها، وإثبات العقيدة الصحيحة لنفسه.

(4) الإيجي: المواقف، ص7. الثميني: معالم الدين، ص 6.

(5) عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميِّين، ج1/ ص7 - 9، بتصرُّف.

(6) هذا بطبيعة الحال يشمل القضايا الإيمانية الإجمالية التي هي موضع الاتفاق بين جميع الفرق الإسلامية، ويشمل كذلك ما تختلف فيه؛ لأن الكل يحتكر الحق لنفسه.

١١ / ١٥٥