أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١١١قدَّم الشيخ اطفيش تأويلا أنسب لتطوُّر الأحوال وتغيُّرها، وهو أَنَّ هذا الحديث رمْزٌ للحال التي سيكون عليها الناس قبل قيام الساعة، حيث تتغيَّر القيم الخلقيَّة، ويطغى الباطل على الحقِّ، وقال الشيخ في ذلك: «ومحصَّله أَنَّ الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربَّى مربِّيا، والعالِم متعلِّما، والسافل عاليا»(1). ومن جملة تلك التغيُّرات، ترؤُّس الحفاة العراة، والتطاول في البنيان، وكثرة الغيبة، وأكل الربا، وشرب الخمر، وتعظيم أرباب الأموال، وقلّة الكرام، وكثرة اللئام، والتباهي في المساجد واتّخاذها طرقا، وسوء الجوار(2)؛ ويشهد لهذا بعض الأحاديث الواردة في وصف حال الناس قبل قيام الساعة(3).
7 - وَمِمَّا ذكره بعض العلماء(4) مع علامات الساعة: المهدي المنتظر، وهذا مخالف لما عند الإباضيَّة الذين لا يذكرون المهدي المنتظر من علامات الساعة، وَلَعَلَّ أولئك قد تأثَّروا بالموحِّدين وقد جاءت معهم فكرة المهدي المنتظر، «ومهما يكن من أمر فَإِنَّهَا فكرة ظاهرة البطلان، وقد رفضها العلماء قديما وحديثا، وعقد ابن خلدون فصلا في بحثها وردِّها(5)، وأرجعها البعض إلى أصول غير إِسْلاَمِيَّة(6)، ويكفي في ردِّها عدم توفُّر الدليل الصحيح بشأنها؛ لأَنَّ موضوع علامات الساعة غيب لا مجال للعقل فيه ولا للابتداع، فلا يثبت شيء منه إِلاَّ بالنقل والسماع»(7).
النفخ في الصور:
الصور هو البوق. ينصُّ القرآن عَلَى أَنَّ هنالك نفختين: نفخة الصعق أو الفزع، ونفخة البعث (الإحياء)، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68)، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ (النمل: 87)، وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الاَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ (يس: 51).
وقد اختلف في من شاء الله أن لا يصعق بالنفخة الأولى، فقيل: بعض الملائكة كإسرافيل وجبريل وملك الموت، «وقد وردت أحاديث وأخبار بِذَلِكَ، وَالله أعلم بمراده. وأين هَذَا الصور؟ وكيف شكله وهيئته؟ وما الذي يحدثه النفخ فيه حَتَّى يترك هَذَا الأثر الغريب؟ علم ذَلِكَ كُلِّه عند الله عَزَّ وَجَلَّ، ولو كشف لنا عن حقيقة شَيْء من ذَلِكَ لعلمنا، وَلَكِن لا مجال للعقل أن يستيقن أيَّ شَيْء عنه»(8).
**************************
المبحث الثالث
البرزخ وما يَتَعلَّقُ به
التعريف:
البرزخ في اللغة هو: الحاجز بين شَيْئين، ومنه قَوله تَعَالىَ: ﴿وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ (سورة الفرقان: 53)، وقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ (سورة الرحمن: 19 - 20)(9).
(1) القطب: شرح أصول تبغورين: 91، 92. نقلا عن وينتن، 165.
(2) القطب: التيسير: 12/ 244، 245. نقلا عن وينتن، 165.
(3) مثل: «إنَّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويفشو الزنى ويشرب الخمر ويذهب الرجال وتبقى النساء حَتَّى يكون لخمسين امرأة قيِّم واحد»، انظر: مسلم: كِتَاب العلم، رقم 2671. نقلا عن وينتن، 165.
(4) الوارجلاني: الدليل: 2/ 27. القطب: شرح لامية ابن النضر: 2/ 521. نقلا عن وينتن، 166 - 167.
(5) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون: 1/ 555 - 586. نقلا عن وينتن، 166.
(6) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني، ص167. د: محمد عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم، ط2 المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979م، ص643. عبد الكريم الخطيب: المهدي المنتظر ومن ينتظرونه، دار الثقافة العربية للطباعة، مصر، 1980م، ص16، 20، 40. نقلا عن وينتن، 167.
(7) وينتن: آراء، 166 - 167، بتصرف.
(8) البوطي: كبرى اليقينيات، ص339.
(9) انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص8. الفيروزآبادي: القاموس، 1/ 318، مَادَّة «برزخ».