محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١١٢

وتُسَمَّى الفترة التي بين الموت ونفخة البعث بالبرزخ، لأَنَّهَا حاجز بين الدنيا والآخرة(1). قَالَ تَعَالىَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ احَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَّرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ اِلىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 99 - 100).

وقد اخُتلف في مدَّتها، أهي أربعون يوما، أو أربعون شهرا، أو أربعون سنة، أو أربعون ألف سنة(2)، وَذَلِكَ للحديث المرويِّ من طريق أبي هريرة عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قال أربعون سنة قال أبيت قال أربعون شهرا قال أبيت … »(3).

كما اختلف أَيضًا في «كونها من الدنيا أو من الآخرة … يرى الشيخ اطفيش أَنَّهَا من الدنيا لتعاقب الليل والنهار عليها(4)، لكن هذا التعليل غير صالح لانعدامهما (الليل والنهار) بالفناء الشامل … لذا يبدو أَنَّ الأصلح اعتبار الدنيا منتهية بقيام الساعة وما بعدها قبل البعث ليس من الآخرة ولا من الدنيا؛ أو هو من الآخرة باعتبار أَنَّ الدنيا وما فيها قد انقطع بالفناء الشامل»(5).

الحياة البرزخية بين النافين والمثبتين:

«إِنَّ المتتبع للقرآن الكريم لا يجد إشارات واضحة لتصوير أحوال أهل القبور، وَإِنَّمَا تأوَّل الْمُفَسِّرُونَ بعض الآيات، ورأوا فيها دَلِيلا عَلَى ثبوت تنعُّم أصحاب القبور وتعذُّبهم. أَمَّا في الحديث فقد جاءت نصوص عديدة في الصحاح وغيرها تقرُّ ما ينتظر الناس في قبورهم من سعادة أو شقاء. ويكاد يجمع المسلمون عَلَى هَذَا التَّصَوُّر، باستثناء بعض المعتزلة والنكَّار»(6).

النافون للحياة البرزخية:

أدلتهم من العقل:

استَدَلَّ هَؤُلاَءِ النافون لعذاب القبر من العقل ـ أو بالأحرى من الحسِّ ـ بِأَنَّا لا نرى آثار العقوبة في أصحاب القبور، ولا المصلوبين بعد موتهم، من اضطراب أو أنين أو آثار ضرب، ثُمَّ إِنَّ الإشكال يُتَصَوَّرُ فيمن تفترسه السباع أو تُتلفه النيران.

وأجيبوا بِعِدَّةِ إجابات، منها أَنَّهُ من المحتمل أَنَّ الله يخلق فيهم حياة لا ندركها نحن(7). وأفضل ردٍّ مختصر وقويٍّ في هَذَا الشأن أَنَّ أحكام تلك الدار ليست كهذه، و «أَنَّ عالم الغيب لا يقاس بمقياس العقل، ولا يقاس بعالم الشهادة»(8)، وَإِذَا ثبتت الأمور الغَيْبِيَّة بالأحاديث الصحيحة فـ «لا سبيل إِلىَ العدول عن مقتضاها إِلىَ محض القول بالرأي، وليت شعري أيُّ مدخل للرأي في ما غاب عَنَّا علمه ولم تصل إِلَيْهِ عقولنا، بل الواجب في هَذَا ونحوه التسليم لأخبار الشارع فيه، وقبول ما جاء فيها من لسانه، فمن بلغه التواتر في ذَلِكَ وجب عَلَيْهِ القطع بوقوعه عَلَى حسب الأخبار … »(9).

(1) انظر: الوارجلاني: الدليل: 3/ 221 - 222. القطب: الذهب: 14. نقلا عن وينتن، 162.

(2) الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، 1/ 58 - 59.

(3) رواه البخاري في كِتَاب التفسير/ سورة الزمر، باب قوله: ﴿وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الآية: 67]، 4/ 1812، رقم 4536، ورقم 4651، ومسلم، في كِتَاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين، رقم 2955.

(4) القطب: الذهب، 13 - 14؛ شامل الأصل والفرع: 1/ 87. نقلا عن وينتن، 162. وقد سبقه إِلىَ هَذَا الرأي المحشِّي. انظر: حاشية القواعد، 1/ 58.

(5) وينتن: آراء، ص162.

(6) الجعبيري: البعد الحضاري، 2/ 639. وأحال عَلَى: الأشعري: الإبانة، 181، 184. الإيجي: المواقف، 2/ 451. القاضي عبد الجَبَّار: الأصول الخمسة، 720. السعدي: قاموس الشريعة، 6/ 216.

(7) السالمي: مشارق، ص274. وانظر: الجعبيري: البعد، ص642.

(8) الجعبيري: 2/ 640.

(9) السالمي: شرح الجامع الصحيح، 2/ 358. نقلا عن الجعبيري، 2/ 641.

١١٣ / ١٥٥