أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١١٣أدلتهم من النقل:
· قَوله تَعَالىَ: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ (يس: 52)، فلو كانوا في القبر معذَّبين لَمَا سمَّوه مرقدا. «وأجيب بِأَنَّهُم سمَّوه مرقدا نظرا إِلىَ ما شاهدوه من هول الموقف، حَتَّى صار القبر بالنسبة إِلَيْهِ كالمرقد»(1).
· قَوله تَعَالىَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (الروم: 55)، فلو كانوا معذَّبين لاستطالوا المدَّة. «وأجيب عنه إِنَّمَا سمُّوا تلك المدَّة ساعة بالنسبة إِلىَ ما كُشف لهم من التأبيد الذي لا انقطاع له، فمدَّة البرزخ بالإضافة إِلىَ ما بعدها من الأبد أقلُّ من ساعة»(2).
المثبتون للحياة البرزخية:
إِنَّ أهمَّ مسألة حول الحياة البرزخيَّة تَتَعَلَّقُ بعذاب القبر، وقد وقع فيها الخلاف حَتَّى بين علماء الإِبَاضِيَّة أنفسهم.
والمثبتون استَدَلُّوا من القرآن بما يأتي(3):
· قَوله تَعَالىَ: ﴿قَالُوا رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر: 11)، فالإحياءة الأولى في القبر للسؤال، والثانية هِيَ البعث للحساب والثواب والعقاب(4). إِلاَّ أَنَّ النافين اعتبروا الإماتة الأولى هي حال الإِنسَان قبل وجوده، والثانية هي الموت المعروف، والإحياءة الأولى في الدنيا والثانية هي البعث(5).
· قَوله تَعَالىَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 46)(6)، فالآية تَدُلُّ عَلَى ثبوت العذاب غدوًّا وعشيًّا قبل قيام الساعة (البعث). إِلاَّ أَنَّ ابن أبي نبهان ـ وهو مِمَّن ينكر عذاب القبر ـ تكلَّف في «تأويل هَذِهِ الآية حَتَّى خرج بها عن أسلوب النظم الشريف، فقال: فيها تقديم وتأخير، والأصل: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أَشَدَّ العذاب النار يعرضون عَلَيْهَا غدوًّا وعشيًّا(7).
· قَوله تَعَالىَ: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمُ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (نوح: 25)، فسِّرت النار بنار البرزخ، إذ الفاء للترتيب من غير مهلة.
واستَدَلُّوا من السنَّة بما يأتي:
· «أَنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ:} اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ}»(8).
· عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الأَحْيَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ (وَلَكِنْ) نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مَا قَالَ حِينَ مَرَّ بِيَهُودِيَّةٍ مَاتَتْ وَأَهْلُهَا يَبْكُونَ عَلَيْهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ (يَبْكُونَ) عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا». قَالَ جَابِرٌ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلاَ يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِبِكَاءِ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِعَمَلِهِ السُّوءَ(9).
·
(1) السالمي: مشارق، 272. وانظر: الجعبيري، 2/ 646.
(2) السالمي: مشارق، 272 - 273. وانظر: الجعبيري، 2/ 646.
(3) يلاحظ الشيخ الجعبيري بِأَنَّ علماء الكلام الإِبَاضِيِّين ـ كالمحشي والسالمي ـ يذكرون أَنَّ هناك آيات أشارت إِلىَ حياة البرزخ، وَلَكِن لا يذكرون ولو آية واحدة، حَتَّى جاء الشيخ اطفيَّش فذكرها. انظر: الجعبيري، 2/ 643 - 646.
(4) انظر: الرازي: التفسير، 27/ 40 - 41. القرطبي: 15/ 297 - 298. القطب اطفيَّش: التيسير، ط1، 5/ 107. السالمي: مشارق، 272. نقلا عن الجعبيري، 2/ 644.
(5) انظر: القاضي عبد الجَبَّار: الأصول الخمسة، ص731. نقلا عن الجعبيري، 2/ 645.
(6) انظر: الأشعري: الإبانة، ص182. الرازي: التفسير، 27/ 73. القرطبي: 15/ 318 - 319. القطب اطفيَّش: التيسير، ط1، 5/ 1273. نقلا عن الجعبيري، 2/ 644.
(7) السالمي: مشارق، 272. وانظر: السعدي: قاموس الشريعة، 6/ 202. نقلا عن الجعبيري، 2/ 645.
(8) رواه الربيع بن حبيب، في كِتَابُ الأَذْكَارِ، بَاب [21] فِي الدُّعَاءِ، رقم 490.
(9) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 483.