أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١١٤قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ (إِلَيْهِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(1).
· عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ بِكَبِيرَةٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَقَدْ كَانَ لاَ يَسْتَبْرِئُ (يَسْتَتِرُ) مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَقَدْ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ». قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَانَ جَابِرٌ مِمَّنْ يُثْبِتُ عَذَابَ الْقَبْرِ(2).
· عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم سَمِعَ صَوْتًا حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: «هَذِهِ أَصْوَاتُ الْيَهُودِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ»(3).
· وقد اشتُهر أَنَّ القبر روضة من رياض الجَنَّة أو حفرة من حفر النار(4).
وخلاصة القول في الموضوع أَنَّ علماء الإِبَاضِيَّة لا يشدِّدون في أمر الحياة البرزخيَّة، لأَنَّهَا ليست من الأصول، وَالأَدِلَّة فيها ظَنِّيَّة لا تفيد العلم اليقيني. يقول الوارجلاني: «ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها غنم، ومن تورَّط فيها ندم»(5).
سؤال منكر ونكير:
ورد في أحاديث آحادية أن الْمَيِّت إذا وضع في قبره أتاه ملكان: منكَر ونكير، فيسألانه. وفي الصحيحين، وللفظ للبخاري: «عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ!. ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ»(6).
قال الشيخ الغيثي: «وهما الملَكان اللذان يأتيان العبد في قبره ويسألانه، وهذا السؤال هو المعروف بفتنة القبر، سمِّيا بذلك لأنَّ الميِّت ينكرهما إذ لم ير صورة مثل صورتهما، فـ «النكير» فعيل بمعنى مفعول، و «المنكر» مفعل مِن «أنكر» وكلاهما ضدَّ المعروف، وذكر بعض الفقهاء من غيرنا أنَّ اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، واسم اللذين يسألان المطيع مبشِّر وبشير، قيل: إنما صوِّرا كذلك ليخاف الكافر ويتحيَّر في الجواب، وَأَمَّا المؤمن فيثبِّته الله بالقول الثابت فلا يخاف، لأنَّ من خاف الله في الدنيا وآمن به وبرسوله وكتبه لم يخف في القبر»(7).
(1) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 484.
(2) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 487.
(3) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 488.
وفي مسند الربيع أحاديث كثيرة، إِلاَّ أَنَّهَا مِمَّا استدركه الوارجلاني عَلَى المسند، في ج3، باب [4] فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، وَالشُّهَدَاءِ، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ لِلْقَبْرِ مَلَكَيْنِ يُقَالُ لَهُمَا: مُنْكَرٌ وَنكِيرٌ، يَأْتِيَانِ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، يَمْتَحِنَانِهِ، ثُمَّ يُحَاكِمَانِهِ». رقم812. وقد روى أحمد والبزار حديث سؤال الملكين، وقال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح».
وكقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَوْ نَجَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَحَدٌ لَنَجَا مِنْهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَلَقَدْ ضَغَطَهُ الْقَبْرُ ضَغْطَةً اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَضْلاَعُهُ». رقم 813.
(4) اشتهر هَذَا الخبر عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال فيه الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، 4/ 639، رقم 2460. وَلَكِنَّ العجلوني قال: «رواه الترمذي والطبراني عن أبي سعيد ورواه الطبراني أيضا عن أبي هريرة وكلاهما به مرفوعا بسند ضعيف»، كشف الخفاء، 2/ 118، رقم 1853.
(5) أبو يعقوب، الدليل، ج3، ص322.
(6) البخاري: كتاب الجنائز، باب الْمَيِّت يسمع خلع النعال، حديث رقم 1273، 1/ 448. مسلم: كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الْمَيِّت من الجَنَّة أو النار، حديث رقم 2870، 4/ 2200.
(7) الغيثي سعيد بن ناصر: إيضاح التوحيد بنور التوحيد، 1/ 492 (الشاملة).