محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١١٦

أَدِلَّة ثبوت البعث:

1 - أَدِلَّة البعث من العقل:

1 - الإيمان بِاللهِ ورسله يوجب الإيمان باليوم الآخر: إِنَّ الإِنسَان المؤمن (الذي آمن عن يقين بوجود الله، وصدَّق عن علم راسخ بصدق الرسل وكتبهم) لا يجد صعوبة في التصديق بالبعث وما بعده من أهوال، فقد ورد إِلَيْهِ خبره عن طريق متواتر قطعيٍّ لا يقبل التشكيك.

2 - إذا صدَّق المرء بِأَنَّهُ قد خُلق من عدم، فإنَّ إعادة الخلق مَرَّة ثانية يكون أسهل - عقلا - من الخلق الأَوَّل من العدم، وهو ما ركَّز عَلَيْهِ القرآن الكريم في محاجَّة المنكرين:

2 - أَدِلَّة البعث من القرآن الكريم:

يمكن أن نلخِّص أَدِلَّة القرآن عَلَى البعث في النقاط الآتية:

·} سهولة} الإفناء والإعادة في حقِّ الله، مع عِظَمها بالنسبة لقدرة البشر، إذ يقول: ﴿يَومَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ، كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَآ، إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: 104).

· إِنَّ الإعادة في نظر البشر أهون وأسهل من البدء، وهي في حقِّ الله سواء، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الاَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: 27). {أَوَلَمْ يَرَ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُّحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاَخْضَرِ نَارًا(1) فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَّخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (يس: 77 ـ 82).

· مراحل خلق الإنسان، وإحياء الأَرض بعد موتها دلِيل عَلَى البعث، فيقول تَعَالىَ في أسلوب علميٍّ عقليٍّ هادئ: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ … ﴾، وبعد أن يذكر مراحل الخلق المختلفة، يَسْتَدِلُّ بإحياء الأَرض الميتة فيقول: ﴿وَتَرَى الاَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِم بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فيِ الْقُبُورِ﴾ (الحج: 5 ـ 7).

· إِنَّ الله لم يعي بالخلق الأَوَّل، فكيف يصعب عَلَيْهِ الخلق الثاني، قَالَ تَعَالىَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّ اللَّهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُّحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف: 33)، وقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (ق: 15).

كَيفِيَّة البعث(2):

إِنَّ العلم التجريبيَّ الذي يَهْتَمُّ بالمحسوسات لا يستطيع أن يحكم في هَذِهِ القَضِيَّة برأي، لأَنَّ البعث لَمَّا يقع بعدُ حَتَّى يخضعه للفحوص المجهرية أو المخبرية. ولا ننسى أن نذكِّر أَيضًا بِأَنَّ البعث من القضايا الغَيْبِيَّة التي يصعب التيقُّن فيها بِشَيْءٍ لم يَرِد فيه دَلِيل نقليٌّ قاطع.

وَلَكِنَّ علماء الكلام حاولوا الإجابة عن تساؤلين طُرحا في الموضوع:

(1) في هَذِهِ الآية يُبَيِّنُ لنا كيف يخلق الله تَعَالىَ الشَّيْء من نقيضة، فقد ولَّد من الشجر الأخضر نارا، مع أَنَّ الاخضرار دَلِيل عَلَى وجود الماء، وهو نقيض النار. فَكَذَلِكَ يستطيع أن يخلق من التراب والرميم الذي لا حياة فيه كائنا حَيًّا.

(2) البوطي، ص345 - 347.

١١٧ / ١٥٥