محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١١٧

التساؤل الأَوَّل: هل الحشر يكون للأجساد مع الأرواح، أم للأرواح فقط؟

عُرف عن الفلاسفة أَنَّهُم يستبعدون حشر الأجساد لأَنَّهَا قد فنيت، وَإِنَّمَا الحشر هو للأرواح فقط لأَنَّهَا خالدة، والحقُّ أَنَّ البعث إِنَّمَا هو للروح وللأجساد معًا، ولن تحشر إِلاَّ الأجسام التي عاشت وعملت، والدليل عَلَى ذَلِكَ ما يأتي(1):

· قَوله تَعَالىَ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 20)، «فقد نسب الله تَعَالىَ هَذِهِ الجوارح إِلىَ أصحابها مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حضورها بنفسها».

· ومنه قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾»(2). ومن المفروض أنَّ مَن آمن بالله وقدرته المطلقة لا يستعظم في حقِّه إيجاد الأشياء مرَّة أخرى كما بدأها أوَّل مرَّة.

ولا يخفى ما في هَذَا القول من أثر تربويٍّ في سلوك الإِنسَان، فَإِنَّ «الحكمة من حشر الأجساد مع الأرواح هي الجمع بين السعادتين في الآخرة (الروحية والجسدية) فسعادة الروح في معرفة الله ومحبَّته، وسعادة الجسد في إدراك المحسوسات، ولا يمكن للإنسان الجمع حقيقة ودوما بين السعادتين؛ لأَنَّهُ إذا اهتمَّ بإحداهما فاتته الثانية، فاجتماع الروح والجسد في الآخرة سبب للجمع بين السعادتين(3)؛ وَكَذَلِكَ العذاب والعقاب ـ اللذان لهما الأثر البليغ في ترك المعاصي والمنكرات ـ فَإِنَّهُ يَنْدُر أن يشعر الإنسان بالعذاب روحا وجسدا في الدنيا؛ فقد يتعذَّب بجسده وهو في أتمِّ سعادته الروحيَّة؛ كما يمكن أن يعيش أَشَدَّ أنواع العذاب النفسيِّ المعنويِّ، مع أَنَّه في نعيم حسيٍّ يحسد عَلَيْهِ، فلا يدرك الشقاء على الحقيقة إلا إذا جمع بينهما، وهذا ما يكون في الآخرة، وهنا تظهر الحكمة من حشر الأجساد والأرواح معا، كما يظهر أثر ذلك على سلوك من آمن به حقيقة»(4).

التساؤل الثاني: هل يكون البعث خلقا جديدا بعد انعدام كُلِّ الوجود أصلا؟ أم أَنَّهُ تجميع للأجزاء المتفرِّقة في مجاهل الأَرض، أو بطون السباع، أَو أعماق البحار؟

اختار الإِبَاضِيَّة «أَنَّ فناء الأجسام هو إعدامها بِالكُلِّيَّةِ لا تفريق أجزائها فقط»(5). ويمكن أن نستدلَّ لهذا الرأي بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ (الأنبياء: 104)، فكما كان الخلق الأَوَّل من العدم، يكون الخلق الثاني كَذَلِكَ.

ويرى البوطي أَنَّنَا لا نستطيع أن نُجزم بِشَيْءٍ في الموضوع، نظرا لعدم ورود خبر يقينيٍّ فيه عن الله عَزَّ وَجَلَّ. وَلَكِنَّ الذي نجزم به أَنَّ كُلَّ ما سوى الله تَعَالىَ قابل للفناء (بمعنييه: الانعدام أو التَّفَرُّق والتمزُّق)، لأَنَّهُ استمدَّ وجوده من خارج، وليس نابعا من ذاته وحقيقته.

وَأَنَّ الجمهور ـ حسب قول البوطي ـ ذهب إِلىَ أَنَّ البعث تجميع للشتات، لا إيجاد من العدم المطلق، بدليل بما يأتي:

· أَنَّ الفناء والهلاك في قَوله تَعَالىَ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (سورة الرحمن: 26 - 27)، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (القصص: 88)، يَدُلاَّن في أصل استعمالهما اللغويِّ عَلَى عدم الصلاحية، وَعَلَى التفرُّق والفساد، ولا يشترط الانعدام الكلِّي.

· أَنَّ القرآن يَرُدُّ عَلَى الذين استعظموا البعث بعد موتهم بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الاَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (ق: 4)، أي أَنَّ الله تَعَالىَ يعلم مصير أجسامهم التي ذابت في مجاهيل الأَرض، «ويضبط كُلَّ ذَرَّة لصاحبها، فما العجب من تجميعها مَرَّة أخرى، كما تجمع برادة حديد امتزجت بين حفنة من التراب بواسطة قطعة من المغناطيس الجاذب؟!»(6).

· قَوله تَعَالىَ: ﴿أَيَحْسِبُ الاِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة: 3 - 4).

· ويمكن أن نضيف: لو لم تبعث عين الأجسام الفانية، لكانت الأجسام والجوارح التي ستحاسَبُ وتُثابُ وتُعاقَب غيرَ التي عملت الخير أَو الشرَّ.

(1) القطب: الهميان، ط1، 13/ 173؛ 6ق، 1/ 182؛ التيسير، 11/ 68. نقلا عن وينتن، ص174.

(2) البخاري: كِتَاب الرقاق، باب كيف الحشر، رقم 6161.

(3) القطب: حاشية القناطر: 2/ 82 و-ظ. نقلا عن وينتن، ص175.

(4) وينتن: آراء، ص175، بتصرُّف.

(5) السالمي: مشارق، 262.

(6) البوطي، ص346.

١١٨ / ١٥٥