محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١١٨

وقد أطال علماء الكلام في بحث مسألة إعادة نفس أجزاء الْمَيِّت الأَصلِيَّة، ويرى البوطي أَنَّهُ تعاد إِلَيْهِ عين الأجزاء الأَصلِيَّة التي استقبل بها الحياة، «أَمَّا ما زِيدَ بعد ذَلِكَ فلا يشترط أن يعاد بذاته»، إِلاَّ أَنَّهُ يستدرك فيقول: «وعلم ذَلِكَ في الحقيقة عند الله عَزَّ وَجَلَّ … »(1).

ونضيف هنا القول: إذا كان للعلماء القدامى كُلُّ العذر في بحث القَضِيَّة ومحاولة معرفة أيِّ الأجزاء تُبعث ـ قصْدَ الردِّ عَلَى الفلاسفة والمنكرين ـ فَإِنَّ بحثها اليوم لا يضيف لنا يقينًا بوجود البعث، بقدر ما يعقِّد القَضِيَّة، ولو علم الله في ذَلِكَ فائدة لنا لبيَّنه في كِتَابه أو عَلَى لسان نبيِّه بطريق يقينيٍّ.

ثانيا - الحشر وأحواله وأهواله:

يوم الحشر طويل، وأحوال الناس فيه مختلفة ................

قال الله تعالى في شأن أهل الشقاوة: ﴿وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 97). وقال: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ونَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (سورة طه: 102)، وقال: ﴿وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (سورة طه: 124 - 126). ﴿الذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمُ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (سورة الفرقان: 34).

وقال مقارنا بين الفريقين: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (سورة مريم: 85 - 86).

وروى مسلم عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا. قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ»(2).

وروى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ»(3).

ثالثا- حوض النبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -

ثبت بالنقل الآحادي أَنَّ للنَّبِيء مُحَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم حوضا لا يَرِدُه من أُمَّته إِلاَّ الموفون بدينهم. والأحاديث فيه كثيرة منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا، ويُرْزَقُ الوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ»(4).

**************************

(1) البوطي، ص347.

(2) مسلم: كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة يوم القيامة، حديث رقم 2864، 4/ 2196.

(3) رواه الربيع، واللفظ له، والشيخان وغيرهم. الربيع: بَاب [7] فِي الْوِلاَيَةِ وَالإِمَارَةِ، حديث رقم: 48، ص39. البخاري: كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، حديث رقم: 629، 1/ 234. مسلم: كتاب، باب فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم 1031، 2/ 715.

(4) رواه الربيع في بَاب [4] فِي الْعِلْمِ وَطَلَبِهِ وَفَضْلِهِ، رقم 21.

١١٩ / ١٥٥