أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١١٩المبحث الخامس
الحساب والميزان والصراط
اقتضت حكمة الله وعدله أن لا يعذِّب المسيء عذابا أبديًّا، ولا يثيب المطيع ثوابا أبديًّا حَتَّى يطلعهما عَلَى أعمالهما، إن خيرا فخير، أو شَرًّا فشرٌّ، وَهَذَا ما يطلق عَلَيْهِ اصطلاحا: الحساب.
أولا - الحساب:
الحساب في اللغة: مِن حسبه حسبا وحسبانا وحسابا وحسبة وحسابة: بمعنى عده والمعدود محسوب(1).
وفي الاصطلاح: هو «تعريف الله عبادَه مقادير الجزاء عَلَى أعمالهم، وتذكيره إِيَّاهُم ما قد نسوه»(2)، وإطلاعهم عَلَى ما قَدَّمُوه من أعمال صالحة أو سَيِّئَة، وتبيين العمل المقبول منها والمردود(3).
وَالأَدِلَّة عَلَيْهِ كثيرة من القرآن وَالسُّنَّة، وقد مَرَّ بعض منها، ونضيف هنا:
· قَوله تَعَالىَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47).
· ﴿اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: 36).
· ﴿إِنَّ الذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: 26).
وفي الحديث: «يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ماذا عمل فيما علم»(4).
الحكمة من الحساب:
من حِكَم الله في الحساب:
1 - ظهور فضائل المُتَّقِينَ ومناقبهم، فيزداد شكره لله، وافتضاح العصاة ومثالبهم عَلَى رؤوس الأشهاد، فتزداد حسرته(5).
2 - بيان عدل الله المطلق، وَأَنَّهُ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُوتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 40)، وقطع للعذر، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: « … ولا أحد أحبَّ إليه العذر من الله … ولا أحد أحبَّ إليه المدحة من الله»(6).
مَنِ المحاسِب؟
يشير القرآن الكريم إِلىَ أَنَّ المحاسِب هو الله، ـ وقد سبق ذكر آيات في الموضوع ـ وَلَكِن مِنَ العلماء مَن حَمَل تلك الآيات عَلَى أَنَّ الذي يقوم بالحساب «هو خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله تَعَالىَ، خَلَقَه لِذَلِكَ، وجعل له قدرة محاسبة الخلق كُلِّهم … ويحتمل أن يخلق الله صوتا يسمعونه يكلِّمهم به»(7).
(1) انظر: الفيروزآبادي: القاموس: 1/ 54.
(2) الجيطالي: قناطر، القسم الأَوَّل، ص320. أبو سِتَّة: حاشية القواعد، 1/ 62، تح: الحاج موسى. وانظر: القطب: الذهب: 14.
(3) انظر: السالمي: مشارق: 275 - 276.
(4) رواه نحوه الترمذي، في كِتَاب أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شان الحساب والقصاص، رقم 2531، 2532، وقال: «هَذَا حديث حسن صحيح»، والطبراني في الكبير، عن معاذ، 20/ 60، رقم 111. انظر: الجيطالي، ص65.
(5) انظر: البوطي: 347. السالمي: مشارق، 276.
(6) صحيح البخاري، مج3، ج9، كتاب التوحيد، ص151.
(7) السالمي: مشارق، ص276.