محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

وَلَكِن مالنا نلجأ إِلىَ تأويل حساب الله بخلق ملَك مُكَلَّف بِذَلِكَ؟ وهل يُستعظم في حقِّ الله محاسبته للخلق أجمعين بِكَيْفِيَّة لم ندركها بعد في هَذِهِ الدنيا؟ يقول الجيطالي: «وليس حساب الله العباد كحساب الخلق، يتعالى ربُّنا عن ذَلِكَ علوًّا كبيرا، وَلَكِن حسابه فصل وتمييز، لا يشغله حساب أحدٌ عن أحد، كما لا يشغله رَزْق أحد عن أحد، وقيل لعليِّ بن أبي طالب: كيف يحاسب الله العباد عَلَى كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم عَلَى كثرتهم»(1).

مَن يحاسَب ومن لا يحاسَب؟

اشتُهرت في أذهان الناس مقولة ذكرها الجيطالي، وهي «إِنَّ الناس يومئذ ثلاثة أصناف: صنفان لا يُسألان عن العمل، وهم الأنبياء والمشركون، فالأنبياء إِلىَ الجَنَّة بغير حساب، والمشركون إِلىَ النار بغير حساب … وصنف ثالث يسأل عن الأعمال وهم المؤمنون [والفاسقون] … »(2)، وَاستَدَلَّ بِقَولِهِ تَعَالىَ:

1. ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (القصص: 78).

2. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ (سورة الرحمن: 39).

وَلَكِن في المقابل نجد أغلب آيات القرآن يَدُلُّ ظاهرها عَلَى أَنَّ المرسلين والمشركين مسؤولون، منها:

1. قَوله تَعَالىَ في شأن المرسلين: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: 6).

2. قوله في شأن المشركين: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر: 92 - 93).

3. خطاب المشركين بقوله: ﴿زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّنْ يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ (التغابن: 7).

إِلىَ غير ذَلِكَ من الآيات.

وقد جمع العلماء بين هَذِهِ الآيات(3)، ومنهم الشيخ بيوض بقوله: «فهو من جهة ينفي السؤال، ومن جهة أخرى يثبته، فكيف الجمع بينهما يا ترى؟ أَمَّا السؤال المنفيُّ فهو سؤال الاستعلام، أي إِنَّ الله تَعَالىَ لا يسأل الكفرة عن أعمالهم ليعلم ما كان يجهله، تَعَالىَ الله عن ذَلِكَ علوًّا كبيرا، فهو علاَّم الغيوب، وَإِنَّمَا يسألهم سؤال توبيخ وتقريع ليفنِّد حجَّتهم، ويقطع عذرهم(4)، كما في قَوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الآية: 62)، وقوله: ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الآية: 65)، وفرق كبير بين السؤال المنفيِّ والسؤال المثبَت. وَأَمَّا هنا في شأن قارون لَمَّا كان الكلام في سياق العذاب الدنيويِّ بدا لي أَنَّ هَذَا السؤال إِنَّمَا يراد به سؤال الدنيا، أي يعذِّبهم وينتقم منهم من غير أن يسأل عن ذنوبهم، لأَنَّهُ يعلمها: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الاَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: 19)»(5).

حساب المطيع والعاصي، وصحائفهما:

تثبت النصوص وجود الاختلاف في الحساب بين الناس:

1 - منهم من لا يستغرق حسابه أكثر من فواق ناقة، أي حلبها، كما قال النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، ومنهم من يشتدُّ عَلَيْهِم الحساب ويطول.

2 - يَنُصُّ القرآن عَلَى أَنَّ المطيع يحاسب حسابا يسيرا، وَأَنَّهُ يؤتى بصحائف أعماله بيمينه، وَأَنَّ العاصي يحاسب حسابا عسيرا، ويؤتى بصحائفه بشماله، قَالَ تَعَالىَ: ﴿فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ اِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ … ﴾ إِلىَ أن يقول: ﴿وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمُ اوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمَ اَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ … ﴾ (الحاقة: 19 - 37)، أو يؤتى بكتابه من وراء ظهره، قَالَ تَعَالىَ: {فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ

(1) الجيطالي: قواعد، 1/ 61 - 62.

(2) الجيطالي، 1/ 63 - 64.

(3) انظر: أبو سِتَّة: حاشية عَلَى القواعد، 1/ 62 - 63. ونقل فيه أَيضًا تأويل الزمخشري لنفي السؤال بِأَنَّ يوم الحساب يوم طويل، وفيه مواطن يسألون في بعضها ولا يسألون في أخرى.

(4) وَإِلىَ مثل هَذَا التفسير مال السوفي في السؤالات. انظر: السوفي: السؤالات، 37 - 38، نقلا عن الجيطالي: القواعد وحاشية أبي سِتَّة، 1/ 63. (هامش المحقق).

(5) في رحاب القرآن، تفسير سورة القصص، 8/ 508 - 509.

١٢١ / ١٥٥