محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

جاء في مجال الغيب، وذلك يحتاج إلى دليل نقليٍّ، فغير بعيد أن يكون الميزان المذكور في القرآن والسنَّة مجرَّد كناية عن التمييز والدقَّة في الحساب، لكنَّ الشيخ لم يُؤَيِّد ذلك بدليل نقليٍّ … فالميزان لا يَدُلُّ على أَنَّ الله تعالى يحتاج إليه أو يستعمله، بقدر ما يَدُلُّ على أَنَّه وضع للناس ليتبيّنوا مقدار أعمالهم، فغير بعيد أن يكون ماديّا لهذا السبب.

وتبعا لذلك فقد أوَّل الشيخ اطفيش النصوص التي تذكر الميزان إلى معنى العدل في الحساب، وعدم الظلم فيه(1): وأَمَّا الحديث الذي يذكر أَنَّ للميزان عمودا وكفَّتين فإنَّه يحتمل أن يكون موضوعا أو يؤوَّل أيضا(2)، ولم يبيِّن سبب هذا الوضع. وقد علَّل الشيخ أخذه بهذه التأويلات والأحكام بأَنَّ حمل الميزان على المعنى المجازيِّ أولى «في فهم العقل وأفصح وأسلم من ردِّ العَرَضِ جسما ولو كان الله على كُلِّ شيء قديرا»(3)؛ والحقُّ أَنَّ إبقاء الميزان على المعنى المادِّيِّ أقرب إلى الفهم والعقل وهو الأسلم، فقد بالغ هنا في تقديم العقل على النقل، مع أَنَّ الأخذ بالنقل في الموضوع لا يقدح في التوحيد حسب منهجه في الأخذ بالنقل.

وكما رأى أَنَّ الميزان أمر معنويٌّ؛ فقد ذهب أيضا إلى اعتبار الأعمال الموزونة أعراضا ولا تنقلب إلى أجسام مَادِّيَّة لتوزن؛ لأَنَّه لا دليل على هذا التحوُّل، والنصوص التي تصف الأعمال على أَنَّهَا أجسام مَادِّيَّة ليست على حقيقتها إِنَّمَا هي للتمثيل(4)، وَلَكِنَّ الشيخ لم يقف عند هذا الرأي بل أجاز أن تجسَّم الأعمال لِمَا يَدُلُّ عليه ظاهر النصوص؛ لأَنَّ الله تعالى قادر على كُلِّ شيء(5)؛ وَلَكِنَّ هذا الرأي يناقض ما ذهب إليه في شأن الميزان، وأَنَّه لا يكون مادِّيًّا. إضافة إلى التضارب بين أقواله في المسألة تضاربا يصعب تفسيره، حيث يرى أَنَّ الميزان ليس إِلاَّ معنويًّا، والأعمال يمكن أن تكون مجسَّمة؛ والأصل أَنَّهَا تبقى أعراضا كما هي؛ وقد يكون سبب ذلك محاولة الشيخ التوفيق بين ما ذهب إليه عقلا موافقا للإباضية والمعتزلة، وبين كثرة النصوص التي يَدُلُّ ظاهرها على أَنَّ الميزان جسم مادِّيٌّ، والأعمال تعرض عليه أجساما؛ لَكِنَّهُ لم يُول المسألة كُلَّ العناية التي تجعله يثبت على قول واحد، ويرى أيضا أَنَّهَا ليست من الأصول التي يقطع فيها عذر المخالف، ولا تُؤَدِّي المخالفة فيها إلى الكفر والشرك، ووافقه على ذلك السالميُّ(6) وهو الرأي الأسلم في مسألة غَيْبِيَّة مثل هذه»(7).

ثالثا: الصراط:

يرى أغلب الإِبَاضِيَّة أَنَّ الصراط إِنَّمَا هو تمثيل لطريق الحقِّ، قَالَ تَعَالىَ: ﴿اَفَمَنْ يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: 22). ومنهم من يرى أَنَّهُ يَصِحُّ فيه المعنيان حسب السياق، وهو الأرجح، نظرا لوجود نصوص في السنة (وإن كانت آحادية) تثبت وجوده في الآخرة فوق جَهَنَّم. ولأنه فيما يبدو لا يتنافى مع أحد الأصول القطعية.

............................................................ تفاصيل

............................................................ تفاصيل

رابعا: الورود على النار:

يطلق الورود في اللغة على الإشراف وعلى الدخول؛ لذلك وقع الاختلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ (سورة مريم: 71). وينصرف في حق المؤمنين إلى المعنى الأول، وفي حق العصاة (أهل النار) إلى

(1) - حاشية القناطر: 2/ و. ظ: 92.

(2) - التيسير: 4/ 13.

(3) -المصدر نفسه: 4/ 14؛ - الهميان: ط1: 6/ 288.

(4) - التيسير: 3/ 277؛ - الهميان: 2/ 445، 446؛ - إزالة الاعتراض: 04.

(5) - التيسير: 1/ 155.

(6) - شرح أصول تيبغورين: 583؛ - الهميان: 6ق2/ 14؛ السالمي: مشارق: 2/ 127.

(7) وينتن: آراء، ص178 - 179.

١٢٤ / ١٥٥