محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

المعنى الثاني.

............................................................ تفاصيل

............................................................ تفاصيل

قال الشيخ نور الدين السالمي في بهجة الأنوار:

«وهكذا من قال كلٌّ يدخل فيها سعيد وشقيٌّ مبطل

زعمت المرجئة أَنَّ كُلَّ أحد يدخل النار <130> سعيدا كان أو شقيًّا، وقالوا ينجي منها السعيد ويترك فيها الشقيُّ، وتعلَّقوا في ذَلِكَ بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا﴾ [سورة مريم: 71 - 72]، ولا تعلُّق لهم في هَذِهِ الآيَة لأَنَّ الخطاب فيها للمتقدِّم ذكرهم، ورد عَلَى سبيل الامتثال من الغيبة إِلىَ الحضور، وَذَلِكَ أَنَّهُ قدَّم ذكر المنكرين للبعث فقال: ﴿وَيَقُولُ الاِنسَانُ أ. ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا اَوَلاَ يَذْكُرُ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؟ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ اَيُّهُمُ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذِينَ هُمُ أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا﴾ [سورة مريم: 66 - 69]، فَهَذِهِ الآيات كلُّها خطاب لمنكري البعث؛ وَكَذَلِكَ آيَة الورود، فهي كما بيَّنَّاه من أَنَّهَا خطاب لهم ورد عَلَى سبيل الالتفات، ومثل هَذَا كثير في القُرْآن، منها قَوله تَعَالىَ في خطابه لبني إسرائيل: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [سورة الأعراف: 160].

ومن وجه آخر أَنَّ الورود يتصرَّف فيرد بمعنى الدخول تارة، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 98]، وبمعنى المشارفة للِشَيْءِ [تارةً] أخرى، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [سورة القصص: 23] [ … ] <131> فبطل حمل الآيَة عَلَى الوجه الأَوَّل أن لو وافقناهم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين جميعا من حيث إِنَّهُ يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع المؤمنين، فيكون كِتَاب الله ناطقا بتكذيبهم في قَوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [سورة الأنبياء: 101 - 102]، وقوله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [سورة مريم: 85 - 86]، وقوله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيءَ وَالذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ﴾ [سورة التحريم: 8]، وذكر في آيَة أخرى قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران: 192]، فيلزمهم عَلَى مقالتهم هَذِهِ تناقض هاتين الآيتين، وكلاهما خبر لا يأتي النسخ عَلَى أحدهما، ولكنَّا لا نسلِّم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين، بل لا نقول إِلاَّ أَنَّهُ متوجِّه للكافرين، فالورود عندنا هو الدخول نفسه عَلَى هَذَا التأويل.

فإن قيل: أَمَا في قَوله تَعَالىَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا﴾ [سورة مريم: 72] دَلِيل عَلَى ما تعلَّقت به المرجئة.

فالجواب أَنَّ قوله: ﴿نُنَجِّي﴾ ليس فيه دَلِيل عَلَى دخولهم النار لأَنَّ التنجية تكون من الشَّيْء المخوف المترقَّب وقوعه، كقولك: نجَّيت زيدا من القتل، فَإِنَّ زيدا لم يقتل بعدُ، وَإِنَّمَا قارب ذَلِكَ الأمر الذي يترقَّب وقوعه.

وللمثبتين للورود لجميع الأُمَّة أقاويل نضرب صفحا عن ذكرها مخافة التطويل. وبالجملة <132> فحكمهم حكم من قبلهم من أَنَّهُم كُفَّار نعمة(1) لا شرك ما لم يظهر منهم ردٌّ لتنزيل فيحكم عَلَيْهِم بالشرك، هَذَا كلُّه إذا قالوا إِنَّ الداخلين في النار هم المؤمنون والفاسقون جميعا».

**************************

(1) هذا الحكم من قِبل أغلب الإباضية، ولا سيما القدامى منهم، يحتاج إلى إعادة نظر بالدراسة والبحث العلمي الموضوعي، وهو ما نرجو أن يوفقنا الله تعالى إلى إتمامه.

١٢٥ / ١٥٥