محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٣

* علم الكلام بين المدح والذمِّ:

اشتهر عن عامة أهل الحديث ذمُّ علم الكلام والاشتغال به، وتبعهم في ذلك السلفية حديثا. ونسبت إلى علماء السلف تشنيعات فظيعة في حق الرأي والعقل(1)، فعطَّلُوا آليته، لا بشكل مقصود، ولكن لمواجهة المنطق الأرسطي والميتافيزيقا اليونانية حين بدأت ترجمتها. كما كان التوجه اللاعقلي ردَّة فعل للتوجه العقلي الاعتزالي(2). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد رأينا أن بعض العلماء (كالإيجي والثميني) يحبذ علم الكلام، بل يعدُّه أشرف العلوم.

وأرجع الدكتور البوطي سبب هذا التباين في الآراء إلى عدم تحرير محل النزاع، فقد يكون مذموما في ظرف، محمودا في ظرف آخر. فمن تنطَّع بعلم الكلام وكان ذلك ديدنه في كل مقام، فهذا مذموم؛ لأنه يشيع التشويش في أذهان الناس. وأما إذا تم استخدامه في مجادلة ذوي الأفكار الباطلة وردِّ شُبههم فهو يرقى إلى أن يكون من فروض الكفاية. قال أبو حامد الغزالي: «إن فيه منفعة ومضرة، فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام. وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر؛ إذ لا يضعه إلا في موضعه، وذلك في وقت الحاجة. وعلى قدر الحاجة … » ثم قال: «وإن الشافعي وكافة السلف إنما منعوا عن الخوض فيه والتجرد له لما فيه من الضرر الذي نبَّهنا إليه»(3). وعلَّق البوطي بقوله: «أقول: وإن علم الكلام اليوم، في حدود الحاجة الماسة إلى التصدي لأسباب الزيغ وموجباته الحديثة، مما يلبس أردية المنطق والعلم في الظاهر، من أشرف ما يجب على المسلمين الاشتغال به والانصراف إليه، وهو ضمن حدود الحاجة إليه داخل في صميم المنهج القرآني للتبصير بحقائق الإسلام وعقائده»(4).

ج- أهمية التوحيد في التصوير القرآني:

قال تعالى في شأن كلمة التوحيد: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينِم بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الاَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الاَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ﴾ (إبراهيم: 24 ـ 27).

جاء في الحديث أنَّ الشجرة الطيبة هي النخلة(5)، وهي مَثَلٌ للمؤمن، في صلاح أعماله، وعموم نفعه.

أصلها ثابت: إشارة إلى يقينه الراسخ، وعقيدته الثابتة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: 15).

وفرعها في السماء: إشارة إلى علوِّ مكانة عمله وقبوله، وعلوِّ قدره عند الله، وإلى عزة المؤمن وشموخه. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: 10)، ﴿وَأَنتُمُ الاَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّومِنينَ﴾ (آل عمران: 139).

(1) منهم الأئمة: مالك، الشافعي، وأحمد. ينظر: الهروي عبد الله بن محَمَّد الأنصاري (481هـ): ذمُّ الكلام وأهله.

(2) ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإسلام، 79 - 81. ويرى المؤلف أن قمع التعقل برز بشكل كبير ورسمي منذ الانقلاب السني، وهي الفترة التي تولى فيها المتوكل زمام الحكم، وأصدر فيها أوامره بالكف عن الجدل والنظر والمباحثة، وبملاحقة المعتزلة، وقمعهم كأشخاص وكأفكار، وأمر بالتسليم والتقليد، ودعا شيوخ أهل السنة والجماعة إلى نشر الحديث، ومنذ ذلك الحين إلى اليوم صار النظر العقلي جريمة على المستوى السياسي الرسمي والفقهي الجنائي. واعتبرت تلك الخطوة من مكارم المتوكل التي تغفر له كل طغيانه ومفاسده!. وكانت هذه الخطوة انتقاما مما قام به المعتزلة في فترة حكمهم (من 198 إلى 232هـ). ومنذ ذلك الحين تم ترسيم قمع التعقل!.

(3) الغزالي: إحياء علوم الدين، 10/ 99.

(4) البوطي محَمَّد سعيد رَمَضَان: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، دار الفكر، دمشق، ط2، 1430هـ/2009م، ص44.

(5) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا … تؤتي أكلها كل حين. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تُكلِّم؟ قال: لم أركم تُكلِّمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليَّ من كذا وكذا. البخاري: كتاب تفسير القرآن باب قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ﴾، رقم4421، ج4/ص1735.

١٤ / ١٥٥