أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٨د- تَطَوُّر علم الكلام(1):
· عصر النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم والخليفتين: رأينا أَنَّ الصحابة ـ سواء في عهد النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم أو الخليفتين الراشدين ـ لم يكونوا يتناقشون في المسائل الكلامية، وَإِنَّمَا كانوا بسليقتهم العَرَبِيَّة يفهمون ما جاء في القُرْآن الكريم من تنزيه مطلق لله تَعَالىَ. وقد ورد أنَّ بعض الصحابة طرحوا بعض الأسئلة، منها ما يستوضح العلاقة بين مشيئة الله وأفعاله، ومشيئة البشر وأفعالهم(2)، ولكنَّها كانت بسيطة وفطريَّة، ولم يكن لها الطابع الفلسفيُّ والجدليُّ الذي عُرف به علم الكلام فيما بعدُ. وفي عهد الخليفتين «لم يكن للناس من الفراغ ما يخلون فيه مع عقولهم، ليبتلوها بالبحث في مباني عقائدهم»(3).
· عصر الفتنة الكبرى: في عهد الخليفتين الثالث والرابع وظهور الفتن بدأت تنتشر بَعض الأفكار، مثل ما كان من غلوِّ عبد الله بن سبإ في حقِّ علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه. وبعد التحكيم اشتَدَّ الخلاف بين المسلمين، وأسفرت عن عِدَّة قضايا سِيَاسِيَّة وعقديَّة، منها ما يَتَعلَّقُ بالإمامة، ومنها ما يَتَعلَّقُ بحكم فاعل الكبيرة، وكان عَلَى كُلِّ فريق أن يثبت رأيه ويفنِّد الرأي المخالف؛ فكانت بِذَلِكَ البذور الأولى لعلم الكلام في الإسلام.
· عصر الأمويِّين: حاول الأمويُّون أن يركِّزوا فكرة الجبر في أذهان الناس، وَأَنَّ الإِنسَان مضطرٌّ في أفعاله وليست له أيُّ إرادة، وَهَذَا من أجل إثبات سلطتهم، وَأَنَّ الناس لا قُوَّة لهم لردِّ الظلم، أو تغيير الحكم. فظهرت بِذَلِكَ مسألة الجبر والاختيار، وما دار حولها من نقاش لا يزال مستمرًّا إِلىَ اليوم.
· عصر العَبَّاسيِّين وما بعده: بتقرُّب الفُرس من الحكم العَبَّاسيِّ أخذوا في نشر أفكارهم «فظهر الإلحاد، وتطلَّعت رؤوس الزندقة، حَتَّى صدر أمر المنصور بوضع كتب لكشف شبهاتهم وإبطال مزاعمهم»(4). وَبِذَلِكَ بدأ عصر التدوين لهذا الفنِّ، وتوالت الْمُؤَلَّفَات لِكُلِّ فرقة من الفرق الكلاميَّة(5)، خَاصَّةً في مواجهة الكائدين للإسلام، والوقوف ضِدَّ ما ينشر من الترجمات لكتب الأمم السابقة وفلسفاتها. فأخذت تَتَّضِحُ أبواب علم الكلام وفصوله ومختلف مباحثه، وتتطوَّر عَبْرَ الزمن في المنهج والمضمون، شأنه شأن أيِّ علم من العلوم الدِّينِيَّة أو الكونيَّة.
11 - الفرق بين علم الكلام والفلسفة الإِسلاَمِيَّة:
من الملاحظ أَنَّ هناك تداخلا كبيرا بين الفلسفة الإِسلاَمِيَّة وبين علم الكلام، فنجد الكثير من المسائل تُتناول بالبحث في كلا الفنَّين، لذا يحسن بنا أن نُبَيِّنَ الفرق بينهما. يقول محَمَّد جواد مغنية بعد أن بيَّن المسائل التي يتناولها علم الكلام:
«وَهَذِهِ المسائل تعالجها الفلسفة بصورة مفصَّلة ومطوَّلة، وَلَكِنَّ الفلاسفة يختلفون عن المتكلِّمين في الطريقة والمنهج. فالمتكلِّم ـ كما قيل ـ يبدأ أَوَّل ما يبدأ بالإيمان بمبادئ الدين وتعاليمه، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَى صحَّتها بالعقل، ويدفع كُلَّ شبه تحوم حولها
(1) انظر: محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، 1988، طبعة مصوَّرة عن مطبوعات الشعب، القاهرة، ص11 - 21.
قسم بوهلال أطوار علم الكلام إلى ما يأتي:
1 - طور البدايات، أو الكلام السياسي: من الاختلاف على عثمان (ت: 35هـ) إلى منتصف القرن الثاني.
2 - طور الكلام العلمي: من منتصف القرن الثاني إلى منتصف القرن الخامس.
3 - طور الكلام المختلط بالفلسفة: من منتصف القرن الخامس إلى عصر عبد الرحمن بن خلدون (ت: 808هـ).
4 - طور الشروح والمختصرات: من ابن خلدون إلى نشر محمد عبده (ت: 1323هـ) رسالة التوحيد سنة 1315هـ.
5 - طور الكلام الجديد: من نشر محمد إقبال (ت: 1357هـ) كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام، سنة 1349هـ/1930م إلى اليوم.
ينظر: محمد بوهلال: إسلام المتكلمين، ص28 - 33.
(2) مثل سؤال سُرَاقَة بْن جشعمَ عن القدر السابق ذكره.
(3) المرجع نفسه، ص11.
(4) المرجع نفسه، ص16.
(5) من المفيد دراسة إسهام الإِبَاضِيَّة في علم الكلام في القرون الهجرية الأولى. وقد كتب فيها باحثان رسالتين أكاديميتين، أولاهما ماجستير للأستاذ: مصطفى بن محمد ابن ادريسو، بعنوان: الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري، نشر: جمعية التراث، 1424هـ/2003م، وثانيهما دكتوراه للأستاذ: مسلم بن سالم الوهيبي، بعنوان: الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري، نشر: مكتبة الضامري، 1427هـ/2006م.