أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٤الآخر(1)، فَإِنَّنَا ارتضينا تقسيما آخر، لا من حيث اعتبار حصوله ـ كما أراد الشيخ السالمي ومن قبله الإيجي والثميني ـ وَإِنَّمَا باعتبار ثبوته: أهو يقيني أم غير يقيني. ووجدنا أَنَّ الدكتور محَمَّد قاسم الزيني في محاضراته التي كان يلقيها بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر ما يجنِّبنا الوقوع في بَعض تلك الإشكالات. فنورد هنا ملخصا لمحاضرته في الموضوع تتميما للفائدة.
مصادر المعرفة عند مفكري الإسلام(2)
تمهيد:
تتنوع مصادر المعرفة لدى الإِنسَان إلى حِسِّيَّة وَعَقْلِيَّة وذوقيَّة. وتتنوَّع أساليب اقتناعه إِمَّا خطابيَّة أو جدليَّة أو برهانيَّة.
وهي تختلف من حيث القُوَّة والضعف، والصدق والكذب، والظنِّ واليقين، والاحتمال والثبوت. وبالتالي فهي ـ أي المصادر والأساليب ـ يقينيَّة أو غير يقينيَّة.
وقد اعتمد الفكر البشري عَلَى هَذِهِ المصادر بشقَّيْها، كلٌّ حسب بيئته، وتكوينه. والعقل السليم ميزان تريص للتمييز بين الحقِّ والباطل.
وينادي أنصار العقل بالثقة في المعارف التي تأتينا منه، لأَنَّهَا واضحة وقد تَمَّت البرهنة عَلَيْهَا، في مقابل المعرفة التي تأتينا من التجربة فقط، أو التي يدَّعيها أنصار التصوُّف أَنَّهَا معرفة ذوقية وجدانية ذَاتِيَّة قد لا يعتدُّ بها في مجال البحث العلمي.
والمفكرون المسلمون قد قسَّموا المعرفة اليقينية إِلىَ: الأوليات العَقلِيَّة، والمحسوسات، والمجرَّبات، والمتواترات، والقضايا التي عُرفت لا بنفسها بل بوسط، والحدسيات.
أَمَّا المعرفة غير اليقينية فهي: المقبولات، والمظنونات، والمشهورات والمسلَّمات، والمخيَّلات، والوهميَّات.
أَوَّلاً: مصادر المعرفة اليقينيَّة:
1 - الأوليات العَقلِيَّة:
هي القضايا التي تحدث في الإِنسَان من جهة قوته العَقلِيَّة المجردة، أو هي المقدمات الضرورية التي لا يمكن أن ينفكَّ عنها الإنسان، ويصدِّق بها العقل الصريح بذاته، وليس لسبب من الأسباب الخَارِجِيَّة عنه مِن تعلُّمٍ أو اكتساب، ويصدِّق بها بِمُجَرَّدِ تَصَوُّره لأجزائها المفردة، ولا يخلو في أيِّ وقت عن ذَلِكَ التصديق(3).
وقد أشار أرسطو إِلىَ هَذِهِ الأَوَّليَّات، وَتُسَمَّى عنده: علوما متعارفة(4). من أمثلتها: مبدأ الذَّاتِيَّة، أي أَنَّ الشَّيْء هو ذاته وليس أيَّ شَيْء آخر. ومبدأ عدم التناقض، أي أَنَّ إثبات القَضِيَّة ونفيها في آن واحد يستحيل. وَكَذَلِكَ الأَوَّليات الرياضية، كقولنا: إِنَّ الكلَّ أكبر من الجزء، وَأَنَّ المساويان لثالث متساويان، أو البديهيات المنطقية، كقولنا: إِنَّ الإثبات والنفي لا يصدقان معا ولا يرتفعان معًا.
والبديهيات ليست فطرية يولد الإِنسَان مزوَّدا بها، وَلَكِنَّهَا حقائق يحصِّلها الإِنسَان بواسطة الحسِّ أو الخيال، أو تقع في نفسه دون شعور منه في كثير من الأحيان، فيسلِّم ويصدِّق بها، حَتَّى يعتقد أَنَّهُ كان عالما بها عَلَى الدوام. وهي بمثابة الحجر الأساس للعلم(5).
والأوليات العَقلِيَّة لا تحتاج إِلىَ الإثبات بدليل، أو يبرهن عَلَيْهَا، وهي معلومة بيقين ساطع.
(1) مثلا التجريبيات يمكن اعتبارها من العلم النظري، أي المكتسب، لأَنَّهُ لا يحصل إلاَّ بالاكتساب بتكرار التجربة. انظر: السالمي: مشارق، 40.
(2) ملخص مع تصرف من إحدى محاضرات مناهج الاستدلال للدكتور محَمَّد قاسم عبد الرحيم الزيني، في المعهد الوطني العالي لأصول الدين، الجزائر.
(3) ابن سينا: النجاة، ص 64 - 66. الغزالي: معيار العلم، ص138. ثورة العقل، ص49. البصائر، ص283. الفصل، ج1/ص12.
(4) مراد وهبة: المعجم الفلسفي، ص63.
(5) باقر الصدر: فلسفتنا، ص71 - 74.