محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٥

2 - المحسوسات:

هي مجموعة المعارف التي يحصِّلها الإِنسَان بواسطة حواسه الخمسة، وَلِكُلِّ حَاسَّة من هَذِهِ الحواس مدرَكات محدَّدة(1)، وَالإِنسَان لا يمكنه أن يتصوَّر إلاَّ ما أدركه بحسِّه عَلَى حدِّ تعبير الرازي(2).

ونحن نصدِّق بها لأَنَّهَا وردت إلينا عن طريق الحواس، كقولنا: إِنَّ الثلج بارد، والجسم صلب، والنار حارقة، والزهرة حمراء، والبلبل صوته جميل. فالمحسوسات أو المشاهدات قضايا يصدِّق بها العقل بواسطة الحسِّ، إلاَّ أَنَّ الحسَّ يعطينا قضايا جُزئِيَّة منفصلة، أَمَّا العقل فهو الذي يدرك العِلَّة المشتركة بين هَذِهِ الجزئيَّات، فيصدر حكما عامًّا، ويعمِّم القَضِيَّة عَلَى باقي القضايا التي تشترك معها في عِلَّة واحدة، فإذا قلنا: إِنَّ الثلج بارد، فَهَذَا إدراك جزئيٌّ يتِمُّ بواسطة الحواسِّ، أَمَّا أن نصدر حكما مفاده أَنَّ كُلَّ ما هو ثلج بارد فيرجع للإدراك العقلي الذي يدرك العِلَّة الأَسَاسِيَّة أو المشتركة بين كُلِّ ما هو ثلج وبين البرودة.

ولا شَكَّ أَنَّ الحسَّ يعطينا حقائق يقينيَّة، وهو وسيلة صائبة، ولولا أَنَّ العقل يميِّز بين الحقِّ والباطل من الإحساسات لم يتميَّز الصواب من الخطإ(3).

ورغم أَنَّ معظم الفلاسفة مُتَّفقون عَلَى يقينيَّة الحِسِّيَّات وَأَنَّهَا من المبادئ التي تقوم بها الحُجَّة عَلَى الخصم، نجد أَنَّ السفسطائيِّين قدحوا في الحِسِّيَّات، وشكَّكوا في المعرفة التي تأتينا عن طريقها، فقالوا بنسبيَّة المعرفة الحِسِّيَّة وَإِنَّهَا غير يقينيَّة، وقد تصدَّى لهم سقراط أرسطو لتفنيد حججهم، ودحض وجهة نظرهم من خلال تحديد الألفاظ وتعريف المعاني، والاعتماد عَلَى العقل والحسِّ معا.

فقولهم: إِنَّ الأضداد يمكن أن تَتَّفِقَ لِشَيْءٍ واحد، فيكون حارًّا وباردا، ومرًّا وحلوا، وموجودا وغير موجود. رَدَّ عَلَيْهِم هَذَا القول بِأَنَّ هَذَا ممكن ولكن ليس من جهة واحدة، أي من جهة القُوَّة وليس من جهة الفعل، فنقول عن البرتقالة: إِنَّهَا مُرَّة بالفعل حلوة بِالقُوَّةِ، وَإِنَّ الماء ساخن بالفعل بارد بِالقُوَّةِ، وَكَذَلِكَ ليس في زمان واحد، ولا في مكان واحد.

وقولهم: إِنَّ الإحساس الإنساني متغير من حالة إِلىَ أخرى، ومن شخص إِلىَ آخر، فقد يبدو الشَّيْء للشخص نفسه حلو المذاق أو مرَّ المذاق، فردَّ أرسطو: بِأَنَّ المقادير والألوان والأشياء نحكم عَلَيْهَا بالحسِّ السليم لا المريض، وعن قرب وليس عن بعد، وفي اليقظة وليس في المنام(4).

وَكَذَلِكَ شَكَّك الغزالي (ت: 505هـ) في صدق المعرفة الحِسِّيَّة، وثبت له أَنَّ المحسوسات مليئة بالمغالطات والأخطاء المنافية لليقين، وضرب أمثلة عَلَى ذَلِكَ لا تخرج عَمَّا قاله اليونانيُّون الشُّكَّاك. فأنكر الارتباط بين الريِّ والشراب، والشبع والأكل، والاحتراق والنار، ونفيه العلاقة بين السبب والمسبَّب، وَأَنَّ الارتباط بينهما ليس ضروريًّا(5).

3 - المجرَّبات:

المجرَّبات: مجموعة المعارف والخبرات التِي يحصلها الإنسان بواسطة الحسِّ بالتعاون مع العقل، مع الاعتماد عَلَى تكرار هَذِهِ المعارف في الواقع المرئي، أو هي أمور وقع التصديق بها من الحسِّ بمعاونة قياس خفيٍّ(6). مثل قولنا: إِنَّ الخمر مسكر، وَإِنَّ الضرب مؤلم للحيوان، والطبُّ مفيد للإنسان، وَإِنَّ النار محرقة، والماء مروٍّ.

وبالتكرار المستمر، والحصول دوما عَلَى نتائج متشابهة نستطيع إدراك العلاقة بين العِلَّة والمعلول، في حالة الثبوت أو الانتفاء، أي في حالة الحضور أو الغياب.

(1) ينظر: السالمي: مشارق، ص40، عند عرضه لطرق اكتساب العلم، وهي ثلاثة: العقل المحض - الوجدان - الحسُّ.

(2) المحصول، ص5.

(3) النجاة، ص 261. الفصل، ج1/ص11.

(4) الطويل: أسس الفلسفة، ص 237.

(5) تهافت الفلاسفة، ص65. العراقي: ثورة العقل، ص50.

(6) الغزالي: معيار العلم، ص 139.

٣٦ / ١٥٥