أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٦4 - المتواترات:
المتواترات هي قضايا وصلت إلينا بطريق التواتر من قِبل أناس لا نشكُّ في صدقهم، فيتيقَّن بها العقل لعدم صِحَّة المواطأة أو الاِتِّفَاق عَلَى الكذب لسبب من الأسباب. مثل: تصديقنا بوجود مَكَّة والمدينة وإن لم نسافر إِلَيْهما، أو علمنا بوجود الرسول والرسالة وإن لم ندركه ونَعِشْ في عصره أو لم نره، وهكذا …
فالتواتر موجب للعلم الضروري، ولا يتوقف التواتر على عدد مُعَيَّن، وَإِنَّمَا العبرة ببلوغ اليقين، وإن كان بَعض العلماء اشترط بلوغ عدد المخبرين حدًّا يفيد القطع في كُلِّ طبقة من طبقات المخبرين(1).
5 - القضايا التي عُرفت لا بنفسها بل بوسط:
هي القضايا التي يتيقَّن بها العقل لا بنفسها بل بواسطة لا تغيب عنه، كقولنا: إِنَّ الله موجود، فَهَذِهِ القَضِيَّة عُرفت بسبب واسطة حاضرة في الذهن، وَهُوَ هَذِهِ الموجودات الدَّالَّة عَلَى قُوَّة فاعلة، وقد ثبت أساسا في الذهن أَنَّ لِكُلِّ مفعولٍ فاعلٌ. وكقولنا: الأربعة زوج، بسبب حضور الوسط في الذهن، وَهُوَ الانقسام بمتساويَيْن. وَإِنَّ هَذِهِ الحديقة المثمرة لها صاحب يرعاها …
فَهَذِهِ كلُّها قضايا لا تعرف بنفسها بل بأوساطها التي يدركها العقل الإِنسَاني سلفا، وتكون حاضرة دوما عنده دون أن يَتَبَيَّنها(2).
6 - الحدسيات:
الحدْس في اللغة هو الظنُّ والتخمين، وَفي الفلسفة هو اليقين، وَهُوَ رؤية مباشرة لموضوع حاضر أمام الذهن [ … ]
وعند الجرجاني: هو سرعة الانتقال من معلوم إِلىَ مجهول(3). وعند ديكارت: تَصَوُّر ناشئ ينشأ عن نور العقل وحده، تصورا هو من السهولة والتميز بحيث لا يبقى أيُّ شكٍّ، كإدراك الإِنسَان أَنَّهُ موجود، وَأَنَّهُ يُفَكِّرُ، وَأَنَّ المثلث محدَّد بثلاثة أضلاع، وَأَنَّ الكرة ليس لها إلاَّ سطح واحد.
والفرق بين الحدس عند ديكارت وعند الغزالي أَنَّهُ عند الغزالي يستلزم الاعتكاف والزهد في العبادة، فينبجس النور الذي يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، فيرى ما لا يراه الناس(4)، وَهُوَ يتِمُّ بلا ترتيب من دَلِيل، أو نظم كلام.
أَمَّا عند ديكارت فهو رؤية عَقْلِيَّة مباشرة يدرك بها الذهن بَعض الحقائق، توقن بها النفس يقينا لا سبيل إِلىَ دفعه، وليست رؤية قلبيَّة، لأَنَّهُ يحتاج إِلىَ ترتيب دَلِيل ونظم كلام، فهو نظرةٌ عَقْلِيَّة بلغت من الوضوح والتميز أن زال معها كُلُّ شَكٍّ
ولَعَلَّ بَعض الاكتشافات العِلمِيَّة تُعَبِّرُ عن هَذِهِ الرؤية العَقلِيَّة المباشرة، فأرخميدس (ت: 212 ق. م) يدرك العلاقة بين جسمه الغائر في الحوض وكَمِّيَّة الماء المزاح، فيكتشف قانون الطفو. ونيوتن (ت: 1727م) يدرك العلاقة بين سقوط التفاحة وبين القُوَّة الأرضية التي جذبت التفاحة إِلىَ أسفل.
*******
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ مصادر المعرفة اليقينية اعتمد عَلَيْهَا المُتَكَلِّمون والصوفية والفلاسفة، عَلَى تفاوت فيما بينهم. وإن كان بَعض المُتَكَلِّمين في معظم بحوثهم اعتمدوا عَلَى المصادر غير اليقينيَّة، وَهُوَ ما سنراه في الآتي:
(1) النجاة، ص 61. التعريفات، ص175. البصائر النصيرية، ص285.
(2) مقاصد الفلاسفة، ص 49. معيار العلم، ص 142.
(3) التعريفات، ص 86.
(4) وَهُوَ ما يسمِّيه الإمام الخليلي بالعلم الوهبي، وعرَّفه بِأَنَّهُ: علم يلقيه الله تَعَالىَ في قلب عبده، وَأَنَّهُ فيض نوراني، ومدد رحماني. السالمي: بهجة الأنوار، 15.