محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٧

ثانيا: مصادر المعرفة غير اليقينية

1 - المقبولات:

هي القضايا التي وقع التصديق بها عَلَى مَرِّ العصور، وآمنت بها البَشَرِيَّة إيمانا شديدا، وسلَّمت بها تسليما مطلقا، لأَنَّهَا نقلت إِلَيْهَا مِمَّن يوثق بصدقه، لتميُّزه برجاحة الرأي، وصائب الفكر، إذ أتت إلينا من أناس نجلُّهم، ونعظِّمهم، أفاضل الناس، وأكابر العلماء، ومشايخ السلف، ومع حسن الظنِّ بهم، فَإِنَّ المرء يتمسَّك بها ويتعصَّب لها(1)، دون أن يتحقَّق من صدقها، ومدى مطابقتها للواقع، أو عدم مطابقتها للعقل أو العلم(2).

ومن أمثلة هَذِهِ المقبولات: قول أرسطو: إِنَّ الجسم الثقيل أسرع في السقوط من الجسم الخفيف، أو أَنَّ الأَرض هي مركز الكون، وهي مستوية … وكثير من هَذِهِ الأقوال التي تقبَّلتها البَشَرِيَّة زمانا طويلا، كبَّلت خطواتها نحو الرقيِّ والتقدم، حَتَّى ثبت بطلانها بالعلم الحديث.

وَهَذِهِ المقبولات يتمسَّك بها الإِنسَان تمسُّكا شديدا لأَنَّهَا أتت من أقوال الآباء والأجداد والأساتذة، ويدافعون عنها، ويموتون في سبيل حمايتها، وَلَعَلَّ هَذَا يبرز مدى تمسُّك عرب الجَاهِلِيَّة بمعتقداتهم(3)، لأَنَّهَا نقلت إِلَيْهِم مِمَّن يوثق به.

«وغنيٌّ عن الإشارة إِلىَ أَنَّنَا في العصر الحاضر بحاجة إِلىَ مراجعة الكثير من المقبولات التي نتلقَّاها من الآخرين، وتحتاج مِنَّا إِلىَ مراجعة، وإعمال الذهن فيها، وتشغيل العقل حَتَّى نتحرَّر تماما من هَذِهِ المقبولات التي تدخل أحيانا في دائرة الخرافات».

2 - المظنونات:

الظنُّ: معرفة أقلُّ درجة من اليقين.

والمظنونات آراء يقع التصديق بها لا عَلَى الثبات، بل يخطر إمكان نقيضها بالبال، وَلَكِنَّ الذهن يكون إِلَيْهَا أميل، فإن لم يخطر إمكان نقيضها بالبال، وكان إذا عرض نقيضه عَلَى الذهن لم يقبله فليس بمظنون صرف، بل هو معتقد. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الفارق بين الظنِّ والمعتقد، أَنَّ الأَوَّل له نقيضه في العقل، فيقرِّر الإِنسَان صحَّته أو عدم صحَّته، وَأَمَّا الثاني فلا يجد العقل مسوِّغا لنقضه فيقبله(4).

ويقول الجرجاني: «المظنونات هي القضايا التي يحكم فيها حكما راجحا مع تجويز نقيضه(5)،

«والقياس المركب من المقبولات والمظنونات يُسَمَّى خطابة»(6) لأَنَّهُ يخاطب العاطفة، ويهزُّ الوجدان، ويستدرُّ الدموع، ولا يعتمد عَلَى البرهان الذي أساسه الاستدلال المنطقي. فالحُجَّة الخطابية تقنع، وَلَكِن قد لا تكون حقيقة،

وَكَذَلِكَ يقال عن «السؤال أَنَّهُ سؤال خطابي، أي لا يراد منه جواب معلوم عند توجيه السؤال، كقول الخطيب للسامعين في معرض الزجر والاستثارة: هل أنتم وطنيُّون؟ هل أنتم سامعون؟ … إِلىَ أمثال هَذِهِ الأسئلة التي يسألها المُتَكَلِّم ليؤثر بها عَلَى مستمعيه، لا لأَنَّهُ ينتظر الجواب عَلَيْهَا»(7).

(1) مقاصد الفلاسفة، ص51.

(2) النجاة، ص61 - 62. الإشارات، ج1/ ص405. الغزالي: معيار العلم، ص146.

(3) وأقرب مثال إلينا في وادي ميزاب هو تلك الأفكار والعادات والطقوس التي كانت سائدة قبل الحركة الإصلاحية ـ التي ابتدأت بالشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي، وانتهت إِلىَ الشيخ بيوض رَحِمَهُم اللهُ ـ والتي (أي العادات … ) كان الناس يعتبرونها من الدين، ويتمسَّكون بها، ويدافعون عنها أَشَدَّ الدفاع.

(4) النجاة، ص64. معيار العلم، ص146.

(5) التعريفات، ص 234.

(6) التعريفات، ص 234.

(7) العقاد: التفكير فريضة إِسلاَمِيَّة، ص 28.

٣٨ / ١٥٥