محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٨

وَهَذَا الأسلوب الخطابي نلمسه لمس اليد في أقوال الكثير من المُتَكَلِّمين، وعند مُؤَرِّخي الفرق الإِسلاَمِيَّة، من أمثال البغدادي (ت: 429هـ) في كِتَابه:} الفَرْق بين الفِرَق} والإسفراييني (ت: 471هـ) في} التبصير في الدين}، وابن حزم (ت: 456هـ) في} الفصل في الملل والأهواء والنحل}. وَكَذَلِكَ في هجوم كثير من الفقهاء وأصحاب الحديث عَلَى الفلسفة والفلاسفة، وفتوى ابن الصلاح الشهرزوري (ت: 634هـ) نموذج صارخ لهذا الأسلوب الخطابي.

وهَذَا الأسلوب كثير في حياتنا اليومية حيث يستخدمه الكثير من الدعاة والوعَّاظ والخطباء لترغيب الناس أو ترهيبهم، دون أن ينفذوا إِلىَ أعماقهم بواسطة المنهج العقلي، ومن ثَمَّ يزول تأثير الأسلوب الخطابي بزوال سببه، لأَنَّهُ أسلوب عاطفيٌّ، وقتيُّ التأثير، ويعتمد عَلَى استثارة الانفعالات في النفوس، ويتفق في الغالب مع مفاهيم العوامِّ، وأنصاف المتعلمين.

وينبغي أن نحدِّد الفرق بين المقبولات والمظنونات، فالأولى نقبلها دون الشكِّ فيها أو التفكير في نقيضها، بسبب الثقة في مصدرها، أَمَّا الثانية فرغم قبولها في العقل إلاَّ أَنَّ هناك ميلا واضحا لتجويز نقيضها، وكلاهما يكوِّنان القياس الخطابيَّ. وهاك مثالا عَلَى المظنونات: «عمرو يتحدَّث مع العدوِّ، كُلُّ من يَتَحَدَّثُ مع العدوِّ فهو خائن، عمرو خائن».

3 - المسلَّمات:

المسلَّمات عادة ما تكون نقطة البداية في البحث أو في البرهان، وهي قضايا يسلِّم بها المجادل لكي يبني عَلَيْهَا الكلام، وَهَذِهِ المسلَّمات قد لا يستطاع البرهنة عَلَيْهَا، ومع ذَلِكَ يسلَّم بها.

وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَات لا ينظر فيها إِلاَّ إلى تسليم المخاطَب، وقد تكون يقينيَّة أو غير يقينيَّة، كالمقبولات أو المشهورات(1).

مثال ذَلِكَ التسليم في علم أصول الفقه بقبول خبر الواحد في الفروع الفِقْهِيَّة.

وأغلب قضايا علم الكلام من هَذَا القبيل، أي هي قضايا مسلَّم بها من البداية، فعادة ما يبدأ المُتَكَلِّم من قَضِيَّة يسلِّم بها تسليما دون أن يبرهن عَلَيْهَا، ثُمَّ يبني عَلَيْهَا مجموعة نتائج تلزم عن هَذَا التسليم(2).

4 - المشهورات:

هي مُقَدِّمَات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إِمَّا شهادة جميع الناس، مثل أَنَّ العدل جميل، وَأَنَّ الظلم قبيح، وَإِمَّا شهادة الأكثر، وَإِمَّا شهادة العلماء أو الأفاضل منهم، فيما لا يخالف فِيهِ الجمهور(3).

فهي ترجع إِلىَ اتِّفَاق أغلب الناس عَلَيْهَا، وتستند إِلىَ العادات والشرائع والآداب، وسبب قبولها وشهرتها اشتمالها عَلَى مصلحة عَامَّة للمجتمع، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح. وَإِمَّا إِلىَ ما في طباعهم من الرقَّة والمودَّة، كقولنا: مراعاة الضعفاء محمودة، والعطف عَلَى الفقير واجب. وَإِمَّا إِلىَ ما فيهم من الحميَّة، كقولنا: كشف العورة مذموم. وَإِمَّا إِلىَ انفعالاتهم من عاداتهم، كقبح ذبح الحيوانات عند أهل الهند، وعدم قبحه عند غيرهم. وَإِمَّا إِلىَ الشرائع والآداب المستمدَّة من الأحكام الشَّرعِيَّة وغيرها، مثل حسن الركوع والسجود والتقرب بذبح البهائم.

الفرق بين الأوليَّات العَقلِيَّة والمشهورات:

الأَوَّليَّات … المشهورات

· لا تغيب عن عقل الإنسان (حقائق فطرية). … - نتقبلها من الغير.

- دائما صادقة … · قد تكون صادقة، أو كاذبة(4).

(1) البصائر النصيرية، ص289.

(2) نلاحظ أَنَّ العديد من العلوم المعاصرة تنبني عَلَى التسليم، فقانون الجاذبية مثلا أمر مسلَّم به، ويؤمن به كلُّ عالم في الفيزياء، مع أَنَّهُ لا يمكن أن يبرهن عَلَيْهَا عقليا، إذ لا توجد علاقة بين الأرض التي لا حياة فيها وبين كُلِّ كتلة فوقها، فَهَذَا بالنسبة لعلم الفيزياء الذي يعتبر من أدقِّ العلوم، فما بالك بالعلوم الإِنسَانِيَّة؟.

(3) النجاة، ص 98.

(4) العراقي: ثورة العقل، ص 62. معيار العلم، ص 142 - 145.

٣٩ / ١٥٥