محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٤٢

الأَدِلَّة(1)

1 - دَلِيل بطلان الرجحان بدون مرجِّح(2):

«ومعنى الرجحان بدون مرجِّح أن يكون الشَّيْء جاريا عَلَى نسق مُعَيَّن، ثُمَّ يتغير عن نسقه ويتحول عنه بدون وجود أي مغير أو محوِّل إطلاقا، فَهَذَا من الأمور الواضحة البطلان، وجميع العقلاء يعلمون أَنَّ الأصل بقاء ما كان عَلَى ما كان عَلَيْهِ، وَلاَ بُدَّ لتحويله عن حاله السابقة من محوِّل ومؤثر يفرض عَلَيْهِ هَذَا الوضع الجديد وينسخ حاله القديمة … »(3).

وجميع الأمور لا تعدو أن يَتَّصِف وجودها بأحد الأوصاف الثلاثة: الوجوب، الاستحالة، الإمكان.

- فالواجب: ما يستحيل في العقل عدمه.

- والمستحيل: ما يستحيل في العقل وجوده.

- والممكن: ما لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه، أي يستوي فيه إمكان الوجود وإمكان العدم.

«وَهَذَا الكون الذي نراه في جملته إِنَّمَا هو من نوع الممكن، أي إِنَّ العقل يجزم بِأَنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ أيُّ محال عَلَى فرض انعدامه، ويرى أَنَّ من الممكن أن توجد أسباب تعدمه من أصله دون أن يستلزم ذَلِكَ محالا لا يقبله العقل … »(4) فما دام هَذَا الكون مِمَّا استوى فيه إمكان الطرفين (الوجود والعدم) فَلاَ بُدَّ من مُؤَثِّر خارجي يرجح جانب الوجود عَلَى جانب العدم. «فإن قلت: إِنَّنِي أفرض أَنَّهُ وجد بذاته دون أيِّ قُوَّة مؤثرة فيه من الخارج استلزم فرضك هَذَا القول برجحان الشَّيْء بدون مرجِّح له، وَهُوَ باطل كما علمت، فبطلت الفرضية التي استلزمتها أَيضًا»(5).

2 - برهان بطلان التسلسل(6):

وإذا اعترف المتشكك بحدوث العالم، وَلَكِنَّهُ أنكر أن يكون مسبوقا بعدم انتقلنا إِلىَ الدَّلِيل الثاني وَهُوَ بطلان التسلسل:

فَإِنَّ القول بِأَنَّ هَذَا العالَم مستمر بحكم التوالد الذاتي الذي لا أَوَّل له يستلزم القول بالتسلسل، وَهُوَ باطل. «ومعنى التسلسل فرض أَنَّ المخلوقات كلَّها متوالدة عن بَعضها إِلىَ ما لا نهاية، بحيث يكون كُلُّ واحد معلولا لِمَا قبله وعِلَّة لِمَا بعده، دون أن تنبع هَذِهِ السلسلة أخيرا من عِلَّة واجبة الوجود … فَهَذَا الفرض باطل يحكم العقل باستحالته بالضرورة، إذ إِنَّ سلسلة المخلوقات الممكنة مهما طالت وطالت فَإِنَّ استمرار طولها لا يخرجها عن كونها ممكنة، والممكنات لاَ بُدَّ لرجحان أحد طرفي الإمكان فيها من مرجِّح كما قلنا … »(7).

3 - بطلان الدور:

وإن قال المتشكك: نَعم، العالَم حادث وله عِلَّة أثرت في إيجاده، وَلَكِنَّ هَذِهِ العِلَّة لا تتمثل في أكثر من التفاعل الذاتي

(1) ينظر بَعض الأَدِلَّة في: الإيجي عضد الدين (ت: 756هـ): المواقف، ص 266 - 267.

(2) وَيُسَمَّى كَذَلِكَ بدليل الإمكان، ينظر: مصطفى بن الناصر وينتن: آراء الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش العقدية، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1417هـ/1996م، ص106. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: شرح الدعائم: 1/ 107. وينظر: جمال الدين بوقلي حسن: الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد، المُؤَسَّسَة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1985، 183 - 185. رزق الحجر: ابن الوزير اليمني ومنهجه الكلامي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1988م، ص192 - 195.

(3) البوطي: كبرى اليقينيات، 79.

(4) البوطي: كبرى اليقينيات، 80.

(5) المرجع نفسه. وضرب للتوضيح مثالا بالميزان الذي استوت فيه الكفتان ثُمَّ فجأة تطيش إحداها وترجح الأخرى دون أي سبب، فَهَذَا أمر لا يقبله العقل.

(6) وَسَمَّاهُ الأستاذ مصطفى وينتن: بطلان الدور، ومن المعلوم أَنَّ الدور غير التسلسل كما سنرى. ينظر: وينتن: آراء، 105. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: جامع الوضع والحاشية، 17.

(7) البوطي: كبرى اليقينيات، 81.

٤٣ / ١٥٥