أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٤٣المتدرج، فالعالم كان ذا أجزاء بسيطة ثُمَّ تعقدت عبر ملايين السنين حَتَّى صار الكون عَلَى ما هو عَلَيْهِ الآن.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الفرضية تستلزم الدور، وَهُوَ ظاهر البطلان بِاتِّفَاقِ العقلاء.
وَمَعْنَى الدور توقُّف الشَّيْء عَلَى نفسه (بشكل مباشر أم غير مباشر).
«إِنَّ قولك: التفاعل الذاتي يعني أَنَّهُ هو العِلَّة المؤثرة في إيجاد ذاته، أي أَنَّهُ حينما كان في ظلمات العدم المطلق، كان وجوده متوقفا عَلَى أن يولد خارجا من جوف عدمه هَذَا؛ فإذا وُلد وظهر في ساحة الوجود تهيَّأ بِذَلِكَ لأَنَّ يصبح عِلَّة لوجوده، وَهَذَا ما قد حصل، فقد ولدت هَذِهِ الذَّرَّة الصغيرة من جوف العدم، فأصبحت بِذَلِكَ عِلَّة لإيجاد نفسها!!. وَهَذَا هو الدور في أوضح أشكاله»(1).
4 - دَلِيل العِلَّة الغائية:
معنى العِلَّة الغائية أَنَّ كُلَّ جزء من أجزاء هَذَا الكون ــ صغيرا كان أم كبيرا ــ يسير في تناسق محكم، ونظام مطَّرد، لأجل غاية وهدف محدَّد، بحيث لو اختلت حركة أيٍّ من هَذِهِ الأجزاء، وتخلَّى عن دوره لفسد النظام كلُّه، فمن النظام الفلكي، إِلىَ الإِنسَان ذاته وما فيه من أجهزة دقيقة عجيبة، فلا وجود لِشَيْءٍ في جسم الإِنسَان إلاَّ وله دور محدَّد يُؤَدِّيه وغاية دقيقة يهدف إِلَيْهَا. «فَإِنَّ ظهور العِلَّة الغائية في هَذَا الجهاز الأعظم، الذي هو الكون، بهذا المظهر العجيب دَلِيل قطعي أَيضًا عَلَى أَنَّ من ورائه مدبرا له يدفعه في طريق غاياته هَذِهِ، وهي غايات لا يمكن أن تلتقي أجهزة البشر كُلُّها (متعاونة) عَلَى استهداف مثلها»(2).
فجميع الكائنات في هَذَا العالم مسخَّرة للإنسان، وليست له أيُّ يد في جعلها كَذَلِكَ لولا تسخير الله إِيَّاهَا، بل إِنَّهَا قد وجد قبل أن يُخلق الإِنسَان عَلَى وجه الأَرض(3)، وَهَذَا باعتراف كُلُّ العلماء المَادِّيِّين أنفسهم.
أفلا يَدُلُّ هَذَا السير الغائي، وَهَذَا التسخير عَلَى أَنَّ هناك موجدا جعلها كَذَلِكَ؟.
5 - دَلِيل الحدوث(4):
وملخص هَذَا الدَّلِيل يتمثل فيما يلي:
- العالَم مكوَّن من جواهر وأعراض(5).
- الجواهر لا تنفكُّ عن الأعراض.
- الأعراض متغيرة بدليل الحس والمشاهدة(6).
(إذن فالأعراض حادثة.
(إذن فالجواهر حادثة(7).
(1) البوطي: كبرى اليقينيات، 88. وينظر: وينتن: آراء، 106. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: الهميان، 6ق1/ 11 - 15؛ اطفيَّش: شرح الدعائم: 1/ 60 - 61.
(2) البوطي: كبرى اليقينيات، 89. وينظر حول هَذَا الدَّلِيل أَيضًا: الشعراوي محَمَّد متولي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة عَلَى وجود الله، شركة الشهاب، الجزائر، 1990م، ص15 - 25.
(3) ينظر: الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 7 - 8.
(4) ينظر: وينتن: آراء، 105. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: حاشية القناطر، 2/ و10.
وَيَسْتَدِلُّ علماء الكلام عَلَى الحدوث بما يُسَمَّى بالجوهر الفرد وَهُوَ الجزء الذي لا يتجزَّأ، ولهم فيها أبحاث طويلة وغامضة في كثير من الأحيان. ينظر مثلا: الجويني: الشامل، 142 وما بعدها. رزق الحجر: ابن الوزير، 192 …
(5) الأشياء لا تخلو أن تكون في إحدى الحالين: إِمَّا جوهر وَإِمَّا عَرَض، والجوهر: هو ما يقوم بذاته كجسم الإنسَان والماء والحجر والشجر … والعرض: هو ما لا يقوم بذاته وَإِنَّمَا بغيره، كالحرارة والبرودة والرطوبة وَالصِّحَّة والمرض والحركة والسكون …
(6) فالنور يكون بعد الظلام، وبالعكس، والحرارة تكون بعد البرودة وبالعكس وهكذا …
(7) كثير من المصادر والمراجع تحدثت عن هَذَا الدَّلِيل، من المراجع عَلَى سبيل المثال: د. محَمَّد توفيق صدقي: الدين في نظر العقل الصحيح، مطبعة المنار 4 - 6.