أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٤٤(كُلُّ حادث لاَ بُدَّ له من محدِث.
(إذن العالم محتاج إِلىَ محدِث وَهُوَ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ.
فمن البدَهي أَنَّ كُلَّ صنعة تَدُلُّ عَلَى وجود صانع، وكلَّ بناء يَدُلُّ عَلَى وجود بانٍ، وكلَّ كتابة تَدُلُّ عَلَى وجود كاتب(1) …
ويلخِّص أبو زكرياء الجناوني هَذَا الدَّلِيل في قوله: «فإذا ثبت وَاستَقَرَّ في فهمك وعقلك أَنَّ هَذِهِ الأشياء المذكورة محدثة مصنوعة مخلوقة بدليل الحدث والحاجة والعجز علمت أَنَّ لها محدِثا أحدثها وخالقا خلقها، لأَنَّ الصنعة دَالَّة عَلَى صانعها ومحدثها(2)، قال الله تَعَالىَ: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ﴾ [سورة إبراهيم: 10].
وقيل لأعرابيٍّ: ما الدَّلِيل عَلَى أَنَّ لهذا العالم صانعا؟ فقال: إِنَّ البعرة تَدُلُّ عَلَى البعير، وأثر القدم يَدُلُّ عَلَى المثير، فهيكل علويٌّ بِهَذِهِ اللطافة، ومركز سفليٌّ بهذه الكثافة أَمَا يَدُلاَّن عَلَى الصانع الخبير؟!.
قال الحكيم:
أيا عجبا كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وَفي كُلِّ شَيْء له آيَة تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ واحد
ولله في كُلِّ تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وَهَذِهِ الحُجَّة من واجبات العقل التي لا خلاف بين أهل العقول فيها»(3).
الشبهات
وإذا تقرر أَنَّ الله تَعَالىَ هو الخالق فَإِنَّ هناك شبهات قد تعترض طريق المستدل عَلَى وجود الله يثيرها بَعض المتنطعين، أو قد تخطر ببال أَحَد مِنَّا ﴿وَكَانَ الاِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (الكهف: 54)؛ لذا كان لزاما علينا أن نتعرض لبعض تلك الشبهات، ونضعها في محكِّ العلم والعقل لننظر مدى صحتها أو خطئها.
1 - الصدفة:
ألا يمكن أن يكون هَذَا الكون قد وجد بالصدفة؟ بحيث إِنَّ ذَرَّات هَذَا العالم اجتمعت فتكونت الجزئيات، ثُمَّ الأجسام، ثُمَّ تَطَوَّرَت حَتَّى صارت عَلَى ما هي عَلَيْهِ الآن؟ …
- والجواب الأَوَّل عن هَذِهِ الشبهة عَلَى فرض صِحَّة نَظَرِيَّة التَّطَوُّر تلك: من أوجد تلك الذرات؟ من الذي حرَّكها وجمع بينها لتكوِّن الأجسام المختلفة؟ مَن غيرُ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ؟(4).
- والجواب الثاني: إِنَّ القول بالمصادفة مصادَمة صريحة للعقل. ولنورد مثالا للتوضيح:
إِنَّكَ إذا جمعت حروفا مطبعية ونثرتها، مَرَّة تلو مَرَّة، وكرَّرت ذَلِكَ ملايين المَرَّات، فهل ستتشكَّل لنا ــ بالصدفة ــ قصيدة كاملة بمعانيها وأوزانها وبلاغتها مثل إلياذة هوميروس أو مفدي زكرياء؟ … فإن حصل وأن تشكَّل بيت واحد، فبإعادة النشر سوف لن يتكرر ذَلِكَ البيت الأَوَّل، وَرُبَّمَا تشكل بيت آخر، وَلَكِن أن تَتَكَوَّنَ القصيدة بكاملها فَهَذَا عين المحال. وإذا حفظنا البيت الأَوَّل المتكوِّن لننتظر تكوُّن البيت الثاني نكون قد ألغينا مبدأ الصدفة أساسا والذي انطلقنا منه في البداية.
(1) ينظر: الجعبيري فرحات بن علي: البعد الحضاري للعقيدة عند الإِبَاضِيَّة، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1991م، 1/ 193 - 194.
(2) ينظر: وينتن: آراء، 105. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: شرح الدعائم، 1/ 107. اطفيَّش: شرح ألغاز، 25.
(3) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير: الوضع مختصر في الأصول والفقه، نشره وعلَّق عَلَيْهِ: أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش، مطبعة الفجالة الجديدة، ط1، د. ت، ص 4 - 5. وحول دَلِيل الحدوث ينظر كَذَلِكَ: بوقلي: الإمام ابن يوسف السنوسي، ص176 - 183.
(4) ينظر: الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 9.