أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٤٥وإذا كان هَذَا مستحيلا بالنسبة للقصيدة الصغيرة، فكيف بنظام الكون العظيم الدقيق؟ وما بالك بما ركَّب الله تَعَالىَ في الإِنسَان والحيوان والنبات من أجزاء ذات نظام عجيب، ووظائف محدَّدة، أيكون كُلُّ هَذَا بمحض الصدفة؟ إِنَّ هَذَا لعمري لهو الهذيان بعينه!(1).
ونزيد توضيحا فنقول: «لقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب العوامل المؤثرة في تركيب البروتينات، فوجد أَنَّ الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوِّن جُزَيئًا بروتينيا واحدا إلاَّ بنسبة 1 إِلىَ 10 أس 1600، وَهُوَ رقم لا يمكن النطق به … وينبغي أن تكون كَمِّيَّة المَادَّة التي تلزم لحدوث التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد أكثر مِمَّا يتسع له هَذَا الكون بملايين المَرَّات، ويتطلَّب تكوين هَذَا الجزيء عَلَى سطح الأَرض وحدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات، قدَّرها العالم السويسري بِأَنَّهَا عشرة مضروبة في نفسها 243 مَرَّة من السنين، هَذَا لكي يَتَكَوَّنَ جزيء بروتيني واحد ــ ميت ــ باعتباره جزءا من الخلية ــ الحيَّة ــ فيما بعدُ، وَعَلَى بساطتها ينبغي أن تقوم بجميع وظائف الحياة من تغذية وتنفس وطرح وحرارة مُعَيَّنَة ونمو وتكاثر … »(2).
والصدفة كلام غير علمي، فلو سأل الأستاذ الطالب: لماذا التقى الجسمان المتحركان (أ) و (ب) في نقطة (ج) وأجاب أحد الطلبة بِأَنَّهُ كان صدفة لضحك منه الجميع!!(3).
والصدفة لا تنشئ أبدا «نظاما دقيقا كنظام الكون لا يختل رغم مرور ملايين السنين»(4).
2 - مَن خَلَق الله؟
إِنَّ هَذَا السؤال من منطق العبث وَهُوَ منتقض من أساسه لأمرين:
- أحدهما: أَنَّ في هَذَا السؤال تناقضا، ففي شطره الأَوَّل إقرار بِأَنَّ الله هو الخالق، وفي شطره الثاني نفي لأَن يكون الله هو الخالق ونسبة الخالقية إِلىَ غيره، فَهَذَا عين التناقض(5)، وقد رأينا أَنَّ من الأسئلة الساقطة السؤال المتناقض، ولا يطرحه إنسَان عاقل!.
- ثانيهما: إِنَّهُ من السهل أن يجاب عن السؤال: «إِنَّ هناك ذاتا أعلى قد خلقت الله، أي أَنَّ هناك إلها سابقا عَلَى الله قد خلقه، وَلَكِن من خلق ذَلِكَ الله السابق، لاَ بُدَّ أن يقال إِنَّ هناك إلها أسبق منه قد خلقه، وهكذا تتوالى عمليات خلق الآلهة واحدا إثر الآخر إِلىَ ما لا نهاية، وَهَذَا ثاني ما يَتَّضِحُ من منطق العبث في ذَلِكَ السؤال، وَلاَ بُدَّ أن ينتهي الأمر عند ذات عليا غير مسبوقة وغير مخلوقة»(6).
ولمزيد التوضيح نورد كلام محَمَّد جواد مغنية في هَذَا المجال: «لو قلنا إِنَّ كُلَّ كائن لاَ بُدَّ أن يستمدَّ وجوده من غيره للزم أن لا يوجد شَيْء أبدا، لأَنَّ معنى قولنا: لا يوجد من يعطي إلاَّ بعد أن يأخذ معناه أَنَّهُ لا أحد يعطي أبدا، مثلا لو افترضنا أَنَّ النقد لا يمكن أن تأخذه من شخص إلاَّ إذا أخذه هو من شخص آخر، بحيث يستحيل أن يوجد فرد أو هيئة [تصنع ذَلِكَ النقد] للزم أن لا يوجد شَيْء يُسَمَّى نقدا»(7) وَلَكِنَّ الواقع يشهد بِأَنَّ هَذَا الكون موجود فعلا، فلا يخلو من أحد أمرين: إِمَّا أن يوجِد نفسَه بنفسه، وَهُوَ مستحيل لأَنَّهُ يستلزم الدور كما رأينا، وَإِمَّا أن يوجِده مَن هو موجود بذاته لا يستمدُّ وجوده من غيره وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ.
(1) ينظر: البوطي: كبرى اليقينيات، 94. وأحال إِلىَ مصطفى صبري: موقف العقل والعلم والعالم من رَبِّ العالمين، 2/ 348. ويقول البوطي (ص85) عن هَذَا الكِتَاب: «وإذا أردت مزيدا من التفاصيل والبسط في أبحاث العقيدة وبراهينها المختلفة فعليك بهذا الكِتَاب الذي لم يؤلَّف مثله في هَذَا العصر».
(2) أبو المجد أحمد: بل الله بحث في إثبات وجود الله، ص13 - 15.
(3) المرجع نفسه، ص18.
(4) الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 9.
(5) أبو المجد أَحمَد: بل الله، 26.
(6) المرجع نفسه.
(7) محَمَّد جواد مغنية: الإسلام والعقل، دار ومكتبة الهلال، دار الجواد، بيروت، لبنان، 1991م، 24 - 25.