أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٤٦3 - مَن رَأَى اللهَ؟
قد يقول الشاكُّ: إِنَّ الله غيب لا تدركه الحواس، وأنا لا أؤمن إلاَّ ما شاهدته أو أحسسته …
الجواب: هل كُلُّ ما لم تدركه حواسنا نحكم بِأَنَّهُ غير موجود؟ إِنَّ أكثر الناس تشبثا بالأدلة المَادِّيَّة يعترف بوجود الروح في الجسد، وَلَكِن لا أحد يستطيع إدراك كنهها، وَإِنَّمَا يَستَدِلُّ عَلَى وجودها بآثارها في الجسد، من حياة وحركة وإحساس … أفلا «يَدُلُّ هذا الكون كلُّه بما فيه من إعجاز الخلق عَلَى وجود الله يقينا، ألا تنظر إِلىَ جسدك والروح فيه ثُمَّ تنظر إِلىَ الكون لتستخدم نفس القانون»(1) فتستدل بآثار الله فيه عَلَى وجود الله؟.
ثُمَّ إِنَّ العلم اليوم يؤمن بكثير من الأمور وَلَكِنَّهُ يعجز عن إدراك كنهها، ويعجز عن تفسيرها، فكثير من قضايا الفيزياء مثلا يكتفي العلم الحديث بِمُجَرَّدِ الوصف ويعجز عن التفسير، مثال ذَلِكَ: الضوء وسرعته، والكهرباء وسريانها وسرعتها، وحركات الإلكترونات، والطاقة … ولو حكم أحد بعدم وجودها لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ لا يدرك تفسيرها أو ماهيتها لسُخر منه!. أفلا نستعمل نفس المنهج في الإيمان بِاللهِ تَعَالىَ؟(2).
القُرْآن والاستدلال عَلَى وجود الله(3)
قبل أن نبدأ في استعراض منهج القُرْآن الكريم في الاستدلال عَلَى وجود الله، نشير إِلىَ أَنَّ الأَدِلَّة العَقلِيَّة التي استعملها علماء الكلام للاستدلال عَلَى وجود الله ترتبط ارتباطا وثيقا بالقرآن الكريم، فما من دَلِيل إلاَّ ونجد في القُرْآن إشارة إِلَيْهِ من قريب أو بعيد.
هَذَا، ولنتعرض الآن باختصار إِلىَ بَعض خصائص المنهج القُرْآني في تناوله قَضِيَّة وجود الله:
1 - الإيمان بوجود الله فطري في الإِنسَان(4):
كثيرا ما ينبهنا القُرْآن إِلىَ أَنَّ الإيمان بِاللهِ تَعَالىَ فطري في الإِنسَان، مصداقا لِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172)، وَقَوله أَيضًا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30).
ومن الأَدِلَّة عَلَى أَنَّ الإيمان فطريٌّ: الإنابة إِلىَ الله وإخلاص العبادة له في الأوقات الحرجة، كما قَالَ تَعَالىَ:
- ﴿هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (يونس: 22).
- ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلآَّ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: 67).
وَهَذَا أمر يشهد به الوجدان ويقرره التاريخ، «أَمَّا ما يشهد به الوجدان فواضح من حال كُلِّ إِنسَان أيًّا كان مؤمنا أم كافرا في لجوئه إِلىَ قُوَّة عليا يستنقذ بها إذا نزل به مكروه أو بلاء لا يستطيع مقاومته أو دفعه. ولا يَصِحُّ التهوين بما يقع للإنسان من مشاعر في هَذِهِ اللحظات الحرجة بدعوى أَنَّهَا حالات عجز للإنسان وضعفه، لأَنَّ ما يقع فيه الإِنسَان من حرج وضيق هو
(1) الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 32 - 35.
(2) هناك عِدَّة شبه أخرى قد تعترض المؤمن، وقد أجاب عنها العلماء بأجوبة قاطعة، ينظر مثلا: محَمَّد جواد مغنية: الإسلام والعقل، 26 - 35. الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 9 وما بعدها.
(3) ينظر: محَمَّد قطب: كِتَاب منهج علم التوحيد لطلاب المعاهد الإِسلاَمِيَّة، مكتبة رحاب، الجزائر، ط9، 1410هـ/1990م، ج1/ ص18 إِلىَ آخر الكِتَاب.
(4) ينظر: المرجع السابق، 1/ 17.