أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٥٤- الأصابع في قول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»(1).
وكذا النزول والإتيان والجَنب، وغيرها … فلاَ بُدَّ من تأويل كُلِّ هَذِهِ الآيات والأحاديث حسب ما يقتضيه كمال الله تَعَالىَ، وبما يوافق الكلام العربي الفصيح.
علاقة صفات الله تَعَالىَ بذاته(2):
يرى الإِبَاضِيَّة والمعتزلة ــ على خلاف الأشاعرة ــ أَنَّ صفات الله تَعَالىَ الذَّاتِيَّة هي عين ذاته، وليست هي غير ذاته أَو زائدة عَلَى الذات قائمة بها.
فَاللهُ تَعَالىَ عليم بذاته لا بعلم هو غيره، أي ذاته عَزَّ وَجَلَّ منكشفة لها المعلومات انكشافا تَامًّا، غير محتاجة في ذَلِكَ الانكشاف إِلىَ واسطة بينها وبين المعلوم، وَأَنَّهُ تَعَالىَ سميع بذاته لا بسمع مركَّب فيه أو زائد عَلَيْهِ، أي ذاته تَعَالىَ منكشفة لها المسموعات انكشافا تَامًّا غير محتاجة في ذَلِكَ الانكشاف إِلىَ واسطة بينها وبين المسموعات … وهكذا يمكن القول في سائر الصفات الذَّاتِيَّة من البصر والقدرة والإرادة والحياة …
أما الأشاعرة فقد استدلوا على مغايرة الصفات للذات بقياس الغائب على الشاهد، فقالوا إن العلية والحد والشرطية لا تختلف في الشاهد والغائب، فـ «علة تسمية العالم عالما في الشاهد وجود صفة العلم فيه، وهذا العالم هو من قامت به صفة العلم وشرط تسمية الشيء بالمشتق أن يكون فيه أصل ذلك المشتق، فشرط تسمية العالم عالما أن تكون فيه صفة العلم، وشرط تسمية القدير قديرا أن تكون فيه صفة القدرة وهكذا … »(3). وقد بيَّنَّا فيما سبق أن القياس لا يؤخذ به في الاعتقاديات؛ لأنه في عمومه ظنيٌّ، وبالأخص قياس الغائب (الله تعالى) على الشاهد (المخلوقات)؛ للاختلاف المطلق بين الخالق والمخلوق. ويكفي الأشاعرة شاهدا عليهم من أنفسهم «ما أجاب به العضد في المواقف والسيد في شرحه حيث قالا ما حاصله: وهذا ضعيف كيف وهذا القائس قائل ومعترف باختلاف مقتضى الصفات في الشاهد والغائب فإن القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الإيجاد بخلافها في الغائب والإرادة فيه لا تختص بخلاف إرادة الغائب وكذا الحال في باقي الصفات فإذا ما وجد في أحدهما لم يوجد في الأخرى فلا يصح القياس أصلا»(4).
وَيَسْتَدِلُّ الإِبَاضِيَّة على عينية الصفات بما يأتي:
1 - لو كانت صفات ذاته تَعَالىَ غير ذاته للزم عَلَيْهِ إِمَّا أن تكون حالَّة في ذاته العليَّة وَهُوَ باطل، لأَنَّ ذاته العليَّة لا يَصِحُّ أن تكون محلاًّ للأشياء، وَإِمَّا أن تكون بَعْضًا من الذات العليَّة وَهُوَ باطل أَيضًا، لأَنَّ ذاته العليَّة غير متبعِّضة، والتبعُّض عَلَيْهَا محال.
2 - لو كانت الصفات شَيْئًا زائدا عَلَى الذات لا حالاًّ فيها ولا بَعْضًا منها للزم عَلَيْهِ افتقار الذات إِلىَ ذَلِكَ الزائد، والذات العليَّة كاملة بنفسها عير مفتقرة إِلىَ غيرها، ومن كان مفتقرا إِلىَ غيره فليس بإله.
3 - لو كانت صفات ذاته غير ذاته للزم عَلَيْهِ إِمَّا أن تكون مقارنة لذاته في الوجود، فيلزم عَلَيْهِ تعدُّد القدماء وَهُوَ باطل قطعا. وَإِمَّا أن تكون سابقة عَلَى ذاته في الوجود فيلزم عَلَيْهِ حدوث الذات العليَّة وَهُوَ باطل أَيضًا، وَإِمَّا أن تكون موجودة بعد الذات العليَّة فيلزم أن يكون الله عَزَّ وَجَلَّ قبل حدوثها غير مُتَّصِف بِهَذِهِ الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم إِلىَ آخرها، وَهُوَ باطل قطعا.
(1) تمام الحديث: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ». رواه مسلم، كتاب القدر، باب تصرف الله تعالى في القلوب كيف يشاء، رقم 2654، 4/ 1045.
(2) ينظر: السالمي: بهجة الأنوار، 86 - 89.
(3) من كتاب صفات الله للشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
(4) الجعبيري: البعد الحضاري، 1/ص .... وينظر: السالمي: مشارق، 176. جمعية التراث: معجم المصطلحات، 2/ 893 - 894.