محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٥٥

واعتُرض عَلَى رأي الإِبَاضِيَّة بِبَعْض الشبه منها:

- الشبهة الأولى: يلزم عَلَى هَذَا التقدير نفي الصفات الذَّاتِيَّة ــ كما يتهم به الأشاعرةُ وغيرُهم الإِبَاضِيَّة والمعتزلةَ ــ فالجواب أَنَّنَا نثبت الصفات، وننفي زيادتها عَلَى الذات ولا ننفي نفس الصفات.

- الشبهة الثانية: يلزم من ذَلِكَ اتِّصَاف الشَّيْء بذاته، فقولنا: الله قدير بمنزلة قولنا: ذاته ذاته. والجواب أَنَّ هَذِهِ الصفات لها معان اعتباريَّة، وللذات كمالات ذَاتِيَّة لا يَدُلُّ عَلَيْهَا نفس لفظ الذات، وَلِكُلِّ واحد من تلك الكمالات معنى اعتباريٌّ يُعَبَّرُ عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الاعتباريَّة الدَّالَّة عَلَى الكمالات الذَّاتِيَّة.

وفي الأخير نقول: إِنَّ كلاًّ من المذاهب الإِسلاَمِيَّة التي وقع بينها الخلاف في المسألة، سواء الإِبَاضِيَّة أم المعتزلة أم الأشاعرة يهدفون إِلىَ تنزيه الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ عن صفات النقص، والكل يثبت لله تَعَالىَ ما يليق بجلاله وعظمته من صفات الكمال المطلق، فالخلاف إذن ــ كما يقول الشيخ علي يحيى معمر(1) ــ في هَذِهِ المسألة خلاف لفظيٌّ فحسب.

ويمكن أن نعلِّق عَلَى هَذِهِ القَضِيَّة ــ التي سال فيها الحبر كثيرا في كتب المتكلمين، وطال فيها الجدل بينهم ــ بِعِدَّةِ أمور:

1. الأمور الغيبيَّة ــ كما هو معلوم ــ لا يجوز أن يُترك للعقل مجالٌ للخوض فيها، خَاصَّةً ما يَتَعلَّقُ بذات الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ. فمسألة علاقة الصفات بالذات مِن الأمور الغيبيَّة التي لم ينزل بشأنها آيَة، ولا تناولها أيُّ حديث، فالاستدلالات المطروحة من هَذَا الطرف أو ذاك كلُّها لا تستند إِلاَّ إِلىَ محض العقل، فهي عارية عن نصوص وَأَدِلَّة الكِتَاب وَالسُّنَّة.

2. إِنَّ الإِبَاضِيَّة والمعتزلة ينتقدون عَلَى الأشاعرة استعمال دَلِيل} قياس الغائب عَلَى الشاهد} في الاستدلال عَلَى زيادة الصفات عَلَى الذات، بينما هم أنفسهم ــ أي الإِبَاضِيَّة والمعتزلة ــ قد وقعوا فيما انتقدوه عَلَى غيرهم، فَإِنَّ جعل الصفات والذات شَيْئًا واحدا فرارا من تعدد القدماء وتجزيء الذات الإِلهِيَّة، ومجرد التفكير بِهَذِهِ الطريقة يحمل في ثناياه قياس الغائب عَلَى الشاهد. وبعبارة أخرى: إِنَّ التفكير بالمنطق والتَّصَوُّر البشري المادي في حق الله ــ سواء من هَذَا الطرف أو ذاك ــ تفكير خاطئ، نظرا لمخالفة الله التَّامَّة لخلقه ــ كما رأينا ــ؛ فعقلنا في هَذِهِ القَضِيَّة قد تجاوز حدوده التي ينبغي أن لا يتعدَّاها، فصار يُفَكِّرُ فيما لا سبيل إِلىَ إدراكه، ونسي القاعدة التي تقول:

3. … العجز عن إدراكه إدراك والخوض في ذات الله إشراك

4. كما أَنَّ هَذَا التفكير يخالف ما أمر به الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد قال جابر بن زيد: حدَّثنا رجل من أئمّة أهل الكوفة يكنَّى أبا أميَّة أنّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم خرج على قوم وهم يتذاكرون فلمّا رأوا النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم سكتوا فقال: «ما كنتم تقولون؟» قالوا: كُنَّا نتذاكر في الشمس وفي مجراها، قال: «كذلك فافعلوا تفكَّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق». وزاد فيه الحسن «إنّ الله لا تناله الفكرة»(2).

5. إِنَّ الخلاف في المسألة لا تجنى منه ثمرة عَمَلِيَّة في سلوك الإِنسَان، وسواء أَعتَقَد هَذَا الرأي أو ذاك(3) فَإِنَّ ذَلِكَ لا يزيده أو يُنقِص منه خشية الله تَعَالىَ وطاعته، فَهَذِهِ المسألة مما فرضته ضرورة الواقع الذي عاشه المسلمون في عصور غابرة، بسبب مجادلة أصحاب الفلسفات والمعتقدات غير الإسلاميَّة، وَأَمَّا ظروفنا اليوم فهي تختلف عن ظروفهم، ولا مبرر لنا في الخوض فيها، ونحن أحوج ما نكون إِلىَ اعتبار الأولويَّات في طرح القضايا، فنولي العناية بما يثيره أعداء الإِسلاَمِ من شبه وافتراءات، والردِّ عَلَيْهَا بطرق حكيمة و} استراتيجية} مدروسة.

6. إِنَّ إثارة مسألة خلافية ــ إضافة إِلىَ عدم تأثيرها في السلوك ـ تُؤَدِّي إِلىَ تمزيق شمل المسلمين في وقت هم أحوج ما

7.

(1) علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص.

(2) رواه الإمام الربيع في مسنده، ج3/ باب [7] النهي عن الفكرة في الله عَزَّ وَجَلَّ، حديث رقم، 827. وينظر في نفس المعنى الأحاديث رقم: 823، 828، 829.

(3) هَذَا مع اعترافنا أَنَّهُ ــ إذا جُوِّز الخوض في المسألة ــ مِمَّا لا شَكَّ فيه أَنَّ رأي الإِبَاضِيَّة والمعتزلة في هَذِهِ المسألة أصوب وأقرب إِلىَ تنزيه الباري جَلَّ وَعَلاَ.

٥٦ / ١٥٥