محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٥٧

ثالثا: رؤية الله تَعَالىَ(1)

قبل أن نبدأ في عرض أَدِلَّة المثبتين والنافين لرؤية الباري عَزَّ وَجَلَّ يحسن بنا أن نحدِّد مصطلح الرؤية في اللغة، لأَنَّ في بَعض الاستدلالات جانبًا يَتَعلَّقُ بالاستعمال اللغوي للفظة الرؤية.

الرؤية(2) لغة:

«جاء في القاموس وشرحه للزبيدي ما نصُّه: «الرؤية بالضم: إدراك المرئيِّ. وَذَلِكَ أَضْرُبٌ بحسب قوى النفس:

- الأَوَّل: النظر بالعين التي هي الحاسة وما يجري مجراها، ومن الأخير قَوله تَعَالىَ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: 105)، فَإِنَّهُ مِمَّا أجري مجرى الرؤية بالحاسة فَإِنَّ الحاسة لا تَصِحُّ عَلَى الله …

- والثاني: بالوهم والتخيل، نحو: أرى أَنَّ زيدا منطلق.

- والثالث: بالتفكير، نحو: ﴿إِنِّيَ أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ (الأنفال: 48).

- والرابع: بالقلب، أي بالعقل، وَعَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخْرَى﴾ (النجم: 13)»(3).

الاختلاف في إمكانية رؤية الله تَعَالىَ(4)

هناك عِدَّة أقوال فيِ إمكانية رؤية الله تَعَالىَ «فذهبت الطوائف المنتسبة إِلىَ السنة من السلفية والأَشْعَريَّة والماتريديَّة والظاهرية وغيرهم إِلىَ أَنَّهَا ممكنة في الدنيا والآخرة، غير أَنَّ جمهورهم يثبت وقوعها في الآخرة لا في الدنيا».

- فالقائلون بوقوعها في الدنيا اختلفوا إلى عِدَّة أقوال:

1 - أَنَّهَا جائزة وَلَكِنَّهَا خَاصَّة بِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَهُوَ قول الأشعري وغالب أتباعه(5).

2 - أَنَّهَا جائزة الوقوع له صلَّى الله عليه وسلَّم ولغيره، «ولم يقل بوقوعها لغيره صلَّى الله عليه وسلَّم في الدنيا إِلاَّ غلاة الصوفية، وظاهر كلام الألوسي(6) يَدُلُّ عَلَى جنوحه إِلَيْهِ، وقد غالى حَتَّى أجاز له الكَيفِيَّة تَعَالىَ الله عن ذَلِكَ».

- وأما وقوعها في الآخرة: فلأهل السنة في المسألة ثلاثة أقوال، كما قال ابن القيِّم:

- «أحدها: أن لا يراه إِلاَّ المؤمنون.

- والثاني: يراه جميع أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثُمَّ يحتجب عن الكُفَّار فلا يرونه بعد ذَلِكَ.

- والثالث: يراه المنافقون دون الكُفَّار.

(1) يبدو أَنَّهُ لا يوجد من الإِبَاضِيَّة من فصل في هَذِهِ المسألة، واستقصى أَدِلَّة المثبتين والنافين وناقشها بِكُلِّ روح عِلمِيَّة أكثر من فضيلة الشيخ العلامة: أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله، في كِتَابه: الحق الدامغ. لذا فَإِنَّ ما سنتناوله في المسألة لا يعدو أن يكون مقتطفات ومختصرات من الكِتَاب المذكور. ويمكن أن نعتبره مصدرا ــ لا مُجَرَّد مرجع ــ في القَضِيَّة.

(2) ينبغي التمييز بين الرؤية والرؤيا، فالأخيرة تعني الحُلُم، كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الاَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾ (يوسف: 43 - 44).

(3) أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عُمان، هـ/ م، ص25. وأحال على الزبيدي: تاج العروس، ج1/ 139، ط. دار مكتبة الحياة. لسان العرب، ج19/ص2، ط. بولاق.

ويبدو أنَّ تفسير الزبيدي لآية النجم إما مبنيٌّ على القول بأن المعراج كان قلبيًّا (أي بالروح لا بالجسد)، وفيه رأى جبريلَ بقلبه، أو بناء على قول من زعم أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قد رأى ربه ليلة المعراج بقلبه، وهو محض افتراء، كما صرَّحت به عائشة في الحديث الصحيح.

(4) الخليلي: الحق الدامغ، 27 - 32.

(5) نقله عنهم الحافظ ابن حجر (فتح الباري، 8/ 608). وبه قال النووي.

(6) ونقل الشيخُ الخليلي كلامَ الآلوسي من روح المعاني، 9/ 52 - 53. وفيه التصريح بِأَنَّهُ رآه ثلاث مَرَّات!. وَبِأَنَّ سَيِّدنَا موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ رآه بعد الصعق!.

٥٨ / ١٥٥