محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٥٨

والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه»(1).

- وذهب الإباضيَّة إلى استحالتها دنيا وأخرى «وَهُوَ قول المعتزلة والجهمية والزيدية والإمامية من الشيعة، وبه قال جماعة من المتكلمين المتحررين من أسر التقليد، كالإمام الجصَّاص في} أحكام القُرْآن}، وجنح إِلَيْهِ الإمام الغزالي في بَعض كتبه، بل صَرَّحَ به في بَعضها … » وكثير من علماء السلف(2).

أَدِلَّة المثبتين لرؤية الله تَعَالىَ ومناقشتها

تنقسم أَدِلَّتهم إِلىَ قسمين: دَلِيل جوازها عقلا، وَأَدِلَّة وقوعها فعلا.

الدَّلِيل العقلي عَلَى جواز رؤية الله تَعَالىَ(3):

قال المثبتون للرؤية: إِنَّ كُلَّ موجود يَصِحُّ أن يُرى، وَالله موجود إذن تجوز رؤيته.

والجواب بأمرين:

1 - إِنَّ قياس الله عَلَى خلقه لا يَصِحُّ، لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلىَ ما اتَّفَقَت كُلُّ الشرائع عَلَى استحالته في حق الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: 11).

2 - إِنَّ هناك موجودات عديدة غير مرئية «كالروح والعقل والوجدان والإدراك، ومنها الأصوات والروائح والأثير والكهرباء».

الأَدِلَّة النَّقْلِيَّة عَلَى جواز الرؤية:

بَعض الأَدِلَّة من القرآن وَبَعضها من السنة.

1 - أَدِلَّة جواز الرؤية من القُرْآن الكريم:

الدَّلِيل الأَوَّل(4): سؤال موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ الرؤيةَ بِقَولِهِ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرِ اِلَيْكَ﴾ (الأعراف: 143):

فسؤاله إِمَّا عن جهل موسى باستحالتها، وَهُوَ باطل لأَنَّ الأنبياء أعرف الناس بربِّهم. وَإِمَّا عن علمٍ باستحالتها، ومع ذَلِكَ طلبها، وطلبُ المستحيل سَفَه ينزَّه عنه الأنبياء. فلم يبق إِلاَّ أَنَّهَا جائزة، وَلِذَلِكَ طلبها.

والجواب: أَنَّ سَيِّدنَا موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ كان عارفا باستحالتها، «ولم يُرِد بسؤالها نيل المستحيل، وَإِنَّمَا أراد ردع قومه الذين لجُّوا في طلبها، وعلَّقوا عَلَيْهَا إيمانهم برسالته، فلعلهم عندما يُقرعون بالردِّ الحاسم باستحالتها يرعوون عن غيِّهم». فموسى لم يسألها لنفسه، وَإِنَّمَا سأل الرؤية لقومه، بدليل عِدَّة آيات تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم هم الذين ألحُّوا في طلبها. والقول بِأَنَّ موسى سأل الرؤية لنفسه حطٌّ من قيمته إِلىَ مستوى الأنذال من بني إسرائيل الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ (النساء: 153).

الدَّلِيل الثاني(5): «قَوله سُبحَانَهُ: ﴿وَلَكِنُ انظُرِ اِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (الأعراف: 143):

ووجه الاستدلال بالآية أَنَّهُ تَعَالىَ علَّق الرؤية عَلَى استقرار الجبل، وَهُوَ في ذاته ممكن، والمعلَّق عَلَى الممكن ممكن مثله».

والجواب: أَنَّ استقرار الجبل أمر ممكن في نظرنا القاصر نحن البشر، وَلَكِن لَمَّا اندكَّ الجبل انكشف قضاء الله، وتَبَيَّنَ أَنَّهُ

(1) ابن القيم الجوزية: حادي الأرواح، ط4، ص 224.

(2) أورد الشيخ طائفة منهم، ينظر: الحق الدامغ، ص 32.

(3) المصدر نفسه، ص33.

(4) المصدر نفسه، ص34 وما بعدها.

(5) المصدر نفسه، ص39.

٥٩ / ١٥٥