أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٥٩كان في علم الله أَنَّ الجبل لا يستقر، ومن المستحيل أن يحصل في الواقع خلاف ما قضاه الله وخلاف ما في علمه(1).
وقوله تَعَالىَ: ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ليس وعدا بالرؤية، لأَنَّهُ سبق قوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾ الذي «أزال طماعية السائل الرؤية».
2 - دَلِيل جواز الرؤية من السنَّة النبويَّة(2):
«وَأَمَّا من السنة فما روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عَلَيْهِم من إثبات رؤيته صلَّى الله عليه وسلَّم لربه ليلة الإسراء والمعراج. ووجه استدلالهم بِذَلِكَ عَلَى إمكان الرؤية أَنَّهَا لو لم تكن ممكنة لَمَا قال بوقوعها أحد من الصحابة، وهم أوفر عقلا، وأغزر علما وأنور بصيرة مِمَّن جاء بعدهم. ووجه اعتبار هَذَا الدَّلِيل من السنة أَنَّهُم رضي الله عنهم لا يقولون شَيْئًا من نحو هَذَا اعتباطا، وَلَكِن استنادا إِلىَ ما علموه من رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وجوابه: أَنَّ ما روي من إثبات رؤيته صلَّى الله عليه وسلَّم لربِّه لا يخلو إِمَّا أن يكون من كذب الرواة عنهم، وَإِمَّا أن يكون من سوء فهمهم لِمَا رووه».
وكيف يمكن أن يقول بِذَلِكَ أحد منهم، وعائشة تقول: «من زعم أَنَّ محَمَّدًا رأى ربَّه فقد أعظم عَلَى الله الفرية»(3)، حَتَّى إِنَّهَا قالت لمسروق لَمَّا سألها: هل رأى مُحَمَّد ربَّه؟ فقالت: «لقد قفَّ شعري مِمَّا قلتَ»!.
الأَدِلَّة النَّقلِيَّة عَلَى وقوع الرؤية في الآخرة:
أ- من القرآن الكريم:
الدَّلِيل الأَوَّل(4): «قَوله تَعَالىَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: 22 - 23)، وَهُوَ أقوى ما استندوا إِلَيْهِ في هَذَا الباب.
واعتُرضوا بِأَنَّ النظر أعمُّ من الرؤية، فَإِنَّهُ يكون بمعنى محاولتها ولو لم تتحقق، لجواز أن يقول قائل: نظرت إِلىَ كذا فلم أره»(5).
«وقد شاع النظر بمعنى الانتظار، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَنْ يَّاتِيَهُمُ اللهُ فيِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآَئِكَةُ﴾ (البقرة: 210)، وقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (يس: 49)، وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (الحديد: 13)، وَعَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ حمل النظر في هَذِهِ الآيَة لوجوه»:
- حمل النظر في الآيَة عَلَى الرؤية يتعارض مع أَدِلَّة نفيها.
- الانسجام المعهود في آيات القُرْآن الكريم، فَإِنَّ المقابلة تكون تَامَّة بين قَوله تَعَالىَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ أي مبتهجة مشرقة، وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ﴾، وبين قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: أي منتظرة ثواب ربها وقوله: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: أي منتظرة أن ينزل بها ما يقصم فقار ظهرها. ولولا تفسير النظر بالانتظار لانفكَّ رباط هَذِهِ الآيَة البليغة.
- هَذَا التفسير ينسجم مع ما في أواخر سورة عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ (الآيات: 38 - 41).
- تقديم المعمول عَلَى عامله يؤذن بقصره عَلَيْهِ، فتقديم ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ عَلَى ﴿نَاظِرَةٌ﴾ يؤذن أَنَّهَا لا تنتظر إِلاَّ إِلَيْهِ، فلو فُسِّر النظر بالرؤية لاقتضى أَنَّهُم لا يرون شَيْئًا غير الله تَعَالىَ، وَهَذَا مخالف للمعقول والمنقول.
(1) ينقل الشيخ الخليلي هنا كلام الشيخ الطاهر ابن عاشور في الموضوع بما يوافق رأي الإِبَاضِيَّة في تفسير الآيَة. التحرير والتنوير، 9/ 92 - 93.
(2) الخليلي: الحق الدامغ، 39 - 42.
(3) رواه الربيع في مسنده والشيخان في صحيحيهما.
(4) الخليلي: الحق الدامغ، 42 - 48.
(5) أحال الشيخ الخليلي إِلىَ الزبيدي: تاج العروس، 3/ 573.