أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٦٠اعتراض عَلَى تفسير النظر بالرؤية:
وَمِمَّا اعتُرض عَلَى تفسير النظر بالانتظار «أَنَّ تعدية النظر بإلى تمنع من حمله عَلَى الانتظار، خُصُوصًا إذا أسند إِلىَ الوجوه».
والجواب: أَنَّهُ ثبت مجيء النظر بمعنى الانتظار في النقول الصحيحة معدًّى بإلى، فمن ذَلِكَ قول الشاعر:
وَإِنِّي إليك لِمَا وعدتَ لَنَاظِرٌ نَظَرَ الفقيرِ إِلىَ الغنيِّ الموسرِ
وَأَمَّا إسناد النظر إِلىَ الوجوه فقد ثبت أَيضًا أَنَّهُ يأتي بمعنى الانتظار، ومن ذَلِكَ قول حسان بن ثابت:
وجوه يوم بدر ناظرات إِلىَ الرحمن يأتي بالفلاح
ويضاف إِلىَ ذَلِكَ ورود تفسير النظر في الآيَة بالانتظار عن كثير من الصحابة والتابعين، كالإمام عليٍّ وابن عَبَّاس وغيرهما(1).
«ومن أقطع الأَدِلَّة وأبين الشواهد عَلَى مجيء النظر معدًّى بإلى وَهُوَ ليس بمعنى الرؤية قَوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً اُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُم فيِ الاَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: 77)، فَإِنَّهُ لو حُمل النظر في الآيَة عَلَى الرؤية لأدَّى إِلىَ أَنَّ الله سُبحَانَهُ لا يَرى هَؤُلاَءِ يوم القيامة، وَهَذَا عين المحال، واعتقاده رأس الضلال، فَإِنَّهُ كفر بِاللهِ تَعَالىَ. ولا وجه لحمل النظر هنا إِلاَّ عَلَى الرحمة والإحسان. ومن هنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ نظر القويِّ إِلىَ الضعيف هو عطفه ورحمته، وَأَنَّ نظر الضعيف إِلىَ القويِّ هو انتظار ذَلِكَ منه».
هَذَا وقد اعترف بَعض العلماء من مثبتي الرؤية أَنَّ دلالة الآيَة عَلَى إثبات الرؤية دلالة ظَنِّيَّة، منهم رشيد رضا والطاهر ابن عاشور(2).
الدَّلِيل الثاني(3): «قَوله تَعَالىَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: 26)، فقد فَسَّروا الحسنى بالجنَّة، والزيادة بالرؤية، مستدلين بحديث صهيب عند الشيخين مرفوعا: «إذا دخل أهل الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى منادٍ: إِنَّ لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجَنَّة؟ قال فيكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم الله شَيْئًا أحبَّ إِلَيْهِم من النظر إِلَيْهِ».
وأنتم ترون أَنَّ لفظة الزيادة مبهمة غير دَالَّة عَلَى الرؤية وضعا ولا استعمالا، من قريب ولا من بعيد. أَمَّا الحديث الذي عوَّلوا عَلَيْهِ في تفسيرها فدلالته عَلَى ما قالوه ضعيفة جِدًّا» لعدة أمور:
أَمَّا أَوَّلاً: «فلأنَّ النظر لا يلزم أن يكون بمعنى الرؤية كما سبق بيانه في آيَة القيامة، وكشف الحجاب يجوز أن يكون كناية عن مزيد الإكرام ورفع الدرجات، وفتح أبواب العطاء غير المحدود … » وَهَذَا التأويل يدفع التعارض بين الآيات والأحاديث.
وَأَمَّا ثانيا: فهَذَا الحديث يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرؤية تقع في الجَنَّة وَهُوَ يتعارض مع ما استندوا إِلَيْهِ في آيَة القيامة التي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرؤية تكون في الموقف.
ثالثا: إضافة إِلىَ كون الحديث ظني الدلالة ــ والدليل إذا اعتراه الاحتمال سقط به الاستدلال ــ فكيف وَهُوَ: ظني الثبوت لأَنَّهُ آحادي، ويعارض ما هو أقوى منه متنا ودلالة.
«والقضية قَضِيَّة عقيدة فلا يستدلُّ فيها إِلاَّ بما كان قَطْعِيًّا متنا ودلالة».
رابعا: روي عن السلف (كابن عَبَّاس وعلي بن أبي طالب والحسن وغيرهم … ) تفسير الزيادة في الآيَة بغير الرؤية، فقد فَسَّروها بغرفة من لؤلؤة، وَبِأَنَّهُ يفتح لهم باب لا يأتيهم منه شَيْء إِلاَّ وَهُوَ أفضل مِمَّا جَنَّتهم، وَبِأَنَّهُ مضاعفة الحسنات …(4).
(1) أحال الخليلي إِلىَ: فتح الباري، 13/ 425.
(2) محَمَّد رشيد رضا: تفسير المنار، 9/ 131. ابن عاشور: التحرير، 29/ 353.
(3) الخليلي: الحق الدامغ، 49 - 51.
(4) ينظر: تفسير ابن جرير، 11/ 75 - 76. الربيع بن حبيب: المسند، 3/ 232.