محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٦١

الدَّلِيل الثالث(1): قَوله تَعَالىَ: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (ق: 35)، قالوا: المزيد هو الرؤية. وبسقوط استدلالهم بالزيادة يبطل الاستدلال بالمزيد.

الدَّلِيل الرابع(2): قَوله تَعَالىَ: ﴿كَلآَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين: 15)، قالوا: إِنَّ مفهوم الآيَة أَنَّ المؤمنين يرونه بما أَنَّ الكُفَّار يُحجبون عنه.

والجواب: أَنَّ هَذَا «استدلال ساقط من عِدَّة أوجه:

أَوَّلها: أَنَّ الحجاب في الآيَة كناية عن الحرمان من رحمته والإبعاد عن دار كرامته، كما أَنَّ التقرب منه سُبحَانَهُ لا يكون حسِّيًّا، وَإِنَّمَا يفسَّر بامتثال ما أمر به من الطاعات، واجتناب ما نهى عنه من المعاصي، وَكَذَلِكَ تقرُّب الله من العبد لا يعني إِلاَّ إحاطته برعايته الرحمانية …

ثانيها: أَنَّهُ استدلال بمفهوم المخالفة، وَهُوَ حجَّة ظَنِّيَّة اختلف العلماء في الأخذ بها في الأمور العَمَلِيَّة الفرعية، فكيف بالقضايا الاعتقادية الأَصلِيَّة، مع أَنَّ الاعتقاد ثمرة اليقين.

ثالثها: أَنَّهُ لو جاز الاستناد إِلىَ هَذَا المفهوم … لكان أحرى أن يُستند إِلىَ مفهوم يفيده التقييد بـ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في إثبات رؤية الكُفَّار له تَعَالىَ قبل ذَلِكَ اليوم» وَهُوَ ما لم يقل به أحد.

الدَّلِيل الخامس(3): «قَوله تَعَالىَ: ﴿عَلَى الاَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين: 23، 35)، وَهُوَ استدلال بما لا دَلِيل فيه، فَإِنَّ غاية ما في الآيَة وصفهم بالنظر من غير ذكر للمنظور إِلَيْهِ، ومن المعلوم قطعا أَنَّهُم يتمتعون بالنظر إِلىَ أصناف النعم وأنواع الغرائب التي تبهج نفوسهم … ».

الدَّلِيل السادس(4): «الآيات المصرِّحة بلقاء الله، وَذَلِكَ أَنَّهُم فَسَّروا اللقاء بالرؤية. وَهُوَ خطأ، فَإِنَّ اللقاء أعمُّ منها، فقد يكون [اللقاء] فيما لا يُرى، كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (آل عمران: 143)، ولا يُختلف في جواز قول الأعمى: لقيت فلانا» رغم أَنَّهُ لم يره. ولقاء الله يفسَّر بالانتقال إِلىَ الدار الآخرة، فيقال فيمن مات: لقي الله، ويستعمل للمسلم والكافر عَلَى السواء، كما في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لقي اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غضبان».

الدَّلِيل السابع(5): «قَوله تَعَالىَ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ (الإِنسَان: 20)، استَدَلَّ به الفخر الرازي في تفسيره لسورة الأنعام، مدَّعيا أَنَّ إحدى قراءاتها:} مَلِكًا}».

والجواب: أَنَّ هَذِهِ القراءة لم تثبت «فقد راجعت كتب القراءات وكتب التفسير المعنية بنقل القراءات فلم أجد لها ذكرا … وعندما ذَكَرَها … لم يعزُها إِلىَ أحد. ولو سلَّمنا أَنَّهَا قراءة واردة فهي من القراءات الشاذة التي قال جمهرة من المُحَقِّقِينَ بِأَنَّهَا لا تكون حجَّة في المسائل الفِقهِيَّة الفرعية فكيف تكون حجَّة في الاعتقاد؟!».

ب- من السنَّة النَّبَوِيَّة(6):

«وَأَمَّا من السنة فقد أكثروا من الأحاديث التي حشروها للاستدلال بها. وأشهر وأقوى ما اعتمدوا عَلَيْهِ حديث:} سترون ربَّكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر}، وقد رووه … بألفاظ مُتَعَدِّدَة، وكثيرا ما يقتصرون في كتب العقيدة عَلَى هَذَا القدر من نصه». ومن ألفاظ الحديث ما رواه الشيخان … واللفظ للبخاري: «عن أبي هريرة أَنَّ الناس قالوا: يا رَسُول اللهِ، هل

(1) الخليلي: الحق الدامغ، 51.

(2) المصدر نفسه، 51 - 54.

(3) المصدر نفسه، 54.

(4) المصدر نفسه، 54 - 55.

(5) المصدر نفسه، 55.

(6) المصدر نفسه، 55 - 59.

٦٢ / ١٥٥