محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٦٢

نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: هل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رَسُول اللهِ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب؟ قالوا: لا يا رَسُول اللهِ، قال: فإنكم ترونه كَذَلِكَ، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شَيْئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هَذِهِ الأُمَّة فيها شافعوها، أو قال: منافقوها ــ شك إبراهيم ــ فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هَذَا مكاننا حَتَّى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول لهم: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه … »(1) وفي رواية مسلم جزم بقوله: «فيها منافقوها» وزيادة: «فيأتيهم الله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بِاللهِ منك هَذَا مكاننا حَتَّى يأتينا ربُّنا … » الحديث.

والجواب: أَنَّ الأخذ بظواهر هَذِهِ النصوص يفضي إِلىَ ما يَرُدُّه العقل، ويكذِّبه البرهان، كما هو واضح فيما يلي:

1 - «أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تغيُّر ذاته تَعَالىَ من صورة إِلىَ غيرها، وَالتَّغَيُّر سمة من سمات الحدوث، فيلزم عَلَيْهِ حدوثه تَعَالىَ».

2 - يقتضي إنكارهم للصورة الأولى أَنَّهُم رأوه من قبلُ في الدنيا، لأَنَّ ذَلِكَ أَوَّل موقف من مواقف يوم القيامة، وَهَذَا ما لا يقول به مثبتو الرؤية أنفسهم.

3 - «كون رؤيته تَعَالىَ شاملة للبرِّ والفاجر والمؤمن والمنافق … مخالف لِمَا نص عَلَيْهِ أكثرهم من كونها ثوابا خَاصًّا بأهل الإيمان».

4 - معارضته لحديث صهيب الذي استَدَلُّوا به كَذَلِكَ عَلَى الرؤية، فَإِنَّهُ قاض عَلَى أَنَّ الرؤية بعد دخول الجَنَّة.

5 - «أَنَّ غالب معتقدي الرؤية يقولون: إِنَّهَا تحصل بلا كيف، وتشبيهها برؤية القمر … ينافي هَذَا القول».

6 - أَمَّا القول بِأَنَّ المنافقين يرون الله تَعَالىَ في الموقف فهو قول عجيب، «وليت شعري إذا كانت الرؤية أعظم ثواب أعدَّه الله للمؤمنين ثُمَّ يشاركهم فيها الكافرون والمنافقون، ماذا بعدئذ؟! وكيف لا يشاركونهم في نعيم الجَنَّة؟ مع أَنَّ الجَنَّة لا تساوي شَيْئًا بجانب هَذَا الثواب العظيم في زعم هَؤُلاَءِ القائلين، حَتَّى إِنَّهُم نسبوا إِلىَ أحد الأَئِمَّة أَنَّهُ لو لم يوقن أَنَّهُ سيرى ربَّه يوم القيامة لَمَا عَبَدَه!(2).

وَهُوَ يفيد أَنَّ قائله يرى أَنَّ الله سُبحَانَهُ لا يستَحقُّ من خلقه عبادةً ــ لولا رؤيته التي يرجونها ــ لا لعظمته ولا لنعمته ولا لثوابه ولا لعقابه، ولعمري ما أخطر هَذَا القول ونسبته إِلىَ عالم من علماء المسلمين، فما أشبهه بقول بني إسرائيل: ﴿لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: 55).

هَذَا وقد صَرَّحَ بَعض الحنابلة بِأَنَّ إثبات رؤية الكُفَّار لله يوم القيامة قول باطل مخالف لإجماع الأُمَّة، فقد حكى ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى من الحنابلة» القول بهذا الإجماع الذي لا يسوغ العدول عنه. ثُمَّ أورد رَدَّ القاضي أبي يعلى بِأَنَّهُ لو ساغ مشاركة الكُفَّار والمنافقين للمؤمنين في رؤية ربِّهم ثُمَّ يُحرمون منها ليزداد تحسرهم فما المانع من دخولهم الجَنَّة والالتذاذ بمأكلها ومشربها ليكثر تلهفهم وحسرتهم؟!(3).

7 - تأويل حديث الرؤية(4): «وإذا حُملت الرؤية في الحديث عَلَى المعرفة انحل الإشكال وانجلى اللبس … وزال التعارض». وتفسير الرؤية بالعلم يقرب مِمَّا أقرَّ به جماعة من مثبتي الرؤية كابن حجر(5)، وأبي حامد الغزالي.

وورود الرؤية بمعنى العلم كثير في لغة العرب وفي القُرْآن، ومن شواهده قَوله تَعَالىَ: ﴿اَلَمْ تَرَ إِلىَ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (الفرقان: 45)، ﴿أَلَمْ يَرَواْ كَمَ اَهْلَكْنَاَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن قَرْنٍ﴾ (الأنعام: 6)، ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (آل عمران: 143)، مع أَنَّ الموت لا يُرى. والمسلم يزداد علما بِاللهِ تَعَالىَ كُلَّمَا ازداد عبادة وإخلاصا، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الإحسان أن تعبد الله كَأَنَّكَ تراه».

(1) البخاري: كِتَاب التوحيد.

(2) حادي الأرواح، 265.

(3) ابن تيمية: الفتاوي، 6/ 500 - 501.

(4) الخليلي: الحق الدامغ، 59 - 62.

(5) فتح الباري، 13/ 426.

٦٣ / ١٥٥