محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٦٣

هَذَا وَأَمَّا الأحاديث الصريحة في تشبيه الخالق بالخلق بما لا يحتمل التأويل فهي مردودة أصلا لأَنَّهَا يستحيل أن تصدر «من رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الذي لا ينطق عن الهوى، وَذَلِكَ كحديث:} إذا كان يوم الجمعة نزل عَلَى كرسيه، ثُمَّ حفَّ الكرسيُّ بمنابر من نور، فيجيء النبيئون حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا … } إلخ فَإِنَّهُ مصادم للعقل والنقل، بل هو مصادم لِمَا يقوله معتقدو الرؤية أنفسهم من أَنَّهُ يُرى بدون إحاطة».

8 - الأحاديث آحادية(1): «ومهما يكن فَإِنَّ هَذِهِ الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجَّة في الأمور الاعتقادية، لأَنَّ الاعتقاد ثمرة اليقين، واليقين لا يقوم إِلاَّ عَلَى الأَدِلَّة القطعية المتواترة نقلا، النصية دلالة بحيث لا تحتمل تأويلا آخر، والحديث الآحادي لا يتجاوز ثبوتُ متنِه الظنَّ، فلذلك قال المُحَقِّقُونَ إِنَّهُ يوجب العلم ولا يفيد العلم، وإذا كانت هَذِهِ درجة الآحادي في الحجية فكيف إذا عورض بالنصوص القطعية من القُرْآن؟».

وقد قال كثير من علماء ــ غير الإِبَاضِيَّة أنفسهم ــ بِأَنَّ الآحادي ظني، ومنهم الإمامان: ابن السبكي في جمع الجوامع والمحلِّي في شرحه(2). والبخاري نفسه ــ وَهُوَ من علماء الحديث المعروفين بانتقادهم الشديد عَلَى من ينكر إفادة الآحادي للعلم ــ «يقيِّد ذَلِكَ بالفروع حيث يقول:} باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام}(3)».

أَدِلَّة النافين لرؤية الله تَعَالىَ ومناقشتها

الأَدِلَّة العَقلِيَّة عَلَى نفي الرؤية(4):

لتَتِمَّ الرؤية لا بُدَّ من توفر عِدَّة شروط منها:

1 - سلامة الحاسة … 2 - أن يكون المرئي جائز الرؤية لا كالروح مثلا

3 - مقابلة المرئي للباصرة … 4 - أن لا يكون دقيقا جِدًّا كالميكروبات

5 - أن لا يكون في منتهى اللطافة كالنسيم … 6 - أن لا يكون قريبا جِدًّا كالأجفان

7 - أن لا يكون بعيدا جِدًّا … 8 - أن لا يوجد حجاب حائل

9 - أن يكون مضيئا بنفسه أو مضاءً بغيره

[وفي ذَلِكَ يقول الشيخ السالمي:

ورؤية الباري من المحال دنيا وأخرًى احكمْ بِكُلِّ حال

لأَنَّ مِن لازِمها التميُّزا والكيف والتبعيض والتحيُّزا

في جهة تقابل الذي نظر فَهَذِهِ وما أتى به السور …

فالرؤية تستلزم أن يكون المرئيُّ متميِّزا، وذا كيف، وذا أبعاض أي أجزاء، وفي حيِّزٍ وجهة من الجهات(5)]. وَهَذِهِ الأمور كلُّها مِمَّا تتصف به المخلوقات، فلا تجوز في حق الله تَعَالىَ لعدم مشابهته لخلقه.

واعتُرض بِأَنَّ هَذِهِ الشروط في الشاهد وقد تختلف في الغائب، فأجيب بِأَنَّ الرؤية المعهودة هي هَذِهِ. ثُمَّ ما بالُهم انتقدوا استعمال قياس الغائب عَلَى الشاهد في الرؤية وقد اعتمدوه في مسألة الصفات؟.

(1) الخليلي: الحق الدامغ، 62 - 66.

(2) شرح جمع الجوامع، 3/ 215. وكذا في تنقيح ابن الحاجب وشرحه: التوضيح عَلَى التنقيح، ص 431 - 432 هامش حاشية التلويح للسعد التفتازاني، ط1310هـ. والغزالي في المستصفى، 1/ 145. وابن عبد الشكور في فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت، 2/ 121، طبع بذيل المستصفى. والإمام محَمَّد عبده في فتوى نقلها القاسمي في تفسيره محاسن التأويل، 13/ 4920. والسيد محَمَّد رشيد رضا: النار، 1/ 138، ط4.

(3) فتح الباري، 13/ 231.

(4) الخليلي: الحق الدامغ: 67 - 68.

(5) السالمي: بهجة الأنوار، 90 - 91.

٦٤ / ١٥٥