أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٦٤الأَدِلَّة النَّقلِيَّة عَلَى نفي الرؤية:
أ- من القُرْآن الكريم:
الدَّلِيل الأَوَّل(1):
قَوله تَعَالىَ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ﴾ (الأنعام: 103)، ووجه الاستدلال بالآية:
· أَنَّهُ تَعَالىَ نفى إدراك الأبصار له.
· عدم إدراك الأبصار له صفة ذَاتِيَّة لله تَعَالىَ، وصفاته لا تتبدل.
· أَنَّ هَذَا النفي مدح له تَعَالىَ كما مدح نفسه بقوله: ﴿لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (البقرة: 255)، فلو تبدَّلت هَذِهِ الصفة لانقلب إِلىَ ضدِّه وَهُوَ الذمُّ.
· أَنَّ هَذَا إخبار من الله، وأخباره تَعَالىَ لا تتبدل ﴿وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87) ﴿وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ (النساء: 122).
واعترضوا بِعِدَّةِ أمور منها:
أَوَّلاً: أَنَّ الآيَة تنفي الإدراك ولم تنف الرؤية، والإدراك بمعنى الإحاطة، والإحاطة به تَعَالىَ مستحيلة، كما قَالَ: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: 110).
وأجيب بِأَنَّ الإدراك في اللغة بمعنى اللحوق، ولا يعني الإحاطة إطلاقا، فقول المرء: أدركت زمان فلان، أو أدركت الجدار بيدي لا يعني أَنَّهُ أحاط بِكُلِّ زمانه، ولا أَنَّهُ أحاط بِكُلِّ الجدار بيده.
ثانيا: الآيَة لم تنف إدراك كُلِّ فرد من الأبصار لله تَعَالىَ، وَإِنَّمَا نفت أن تدركه جميع الأبصار، ونحن نقول إِنَّمَا تراه بَعض الأبصار لا كلُّها، ففي الآيَة سلب للعموم وليس فيها عموم السلب.
وأجيب بِأَنَّهُ لو جاز في ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَة لجاز في أمثالها، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190)، وقوله: ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 57)، فنقول بِأَنَّهُ يحِبُّ بَعض المعتدين وَبَعض الظالمين، ولا فرق بين النفيين. و} الـ} في} الأبصار} سواء أكانت للاستغراق أو الجنس فهي دَالَّة عَلَى العموم.
ثالثا: أَنَّ الآيَة لا تَعُمُّ كُلَّ الأزمان لأَنَّهَا ليست مقيَّدة بدوام.
والجواب أَنَّ هَذَا الاعتراض مرفوض لغة وشرعا وعرفا، «وَمِمَّا لا خلاف فيه أَنَّ للنهي حكم النفي»، فلو ساغ أَنَّ كُلَّ نهي لاَ بُدَّ أن يقيَّد بالدوام فلا يبقى أيُّ شَيْء محظور بعد ورود النهي.
وأجيب أَيضًا بِأَنَّ صفات الله لا تتقيد بزمان ولا مكان، فلا فرق في نفي الرؤية عنه تَعَالىَ بين الدُّنْيَا وَالآخِرَة، كما لا فرق في نفي الشريك ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا﴾ (الجن: 3)، وفي نفي الظلم: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).
رابعا: أَنَّ عمومها مخصَّص بأدلة إثبات الرؤية.
والجواب: أن لا وجود للمخصص، والآية سيقت مساق المدح وَهَذَا ينفي التخصيص. وإن قيل: لا وجود للمدح في نفي الرؤية لأَنَّ هناك أشياء لا ترى فلم يكن ذَلِكَ مدحا لها، يجاب بِأَنَّ عدم رؤية الله ليست كعدم رؤية غيره، فنفي الرؤية عن الله تَعَالىَ إِنَّمَا هو للكبرياء، وَأَمَّا غيره فلإخفائه إِيَّاهَا عَنَّا.
(1) الخليلي: الحق الدامغ: 68 - 85.