أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٦٥الدَّلِيل الثاني(1):
قَوله تَعَالىَ لموسى: ﴿لَن تَرَانِي﴾ «فَإِنَّهُ نفي مطلق غير مقيَّد بزمان، ولا تبديل لكلمات الله، فلو حصلت الرؤية في أي وقت من أزمان الدُّنْيَا أو الآخِرَة لكان ذَلِكَ منافيا لصدق هَذَا الخبر». ويؤيد ذَلِكَ مبادرة موسى بعد الصعق بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ﴾ أي بِأَنَّكَ لا تُرى، كما أخرجه ابن جرير عن ابن عَبَّاس. و} لن} في الآيَة تفيد التأكيد والتأبيد.
واعتَرضوا بأمور منها:
أَوَّلاً: أَنَّ قَوله تَعَالىَ: ﴿لَن تَرانِي﴾ لا يفيد العموم، بخلاف ما إذا قال: لا أُرى، أو لست بمرئيٍّ.
والجواب: - أَنَّ صيغة الجواب كانت مطابِقة لصيغة السؤال: ﴿أَرِنِيَ أَنظُرِ اِلَيْكَ﴾.
- أَنَّ الرؤية إذا نُفيت عن موسى وَهُوَ من يكون في قدره ومزاياه واصطفاء الله إِيَّاهُ، فهي منفية عن غيره من باب أولى.
ثانيا: أَنَّ لفظة} لن} لا تفيد التأبيد كما في قَوله تَعَالىَ في حق اليهود: ﴿وَلن يَّتَمَنَّوْهُ أَبدًا﴾ (البقرة: 95)، بينما يقول في أصحاب النار عُمُومًا: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (الزخرف: 77)، فقد نفى عنهم تمني الموت بلن، ثُمَّ نجدهم يتمنون الموت في النار، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ} لن} خَاصَّة للنفي في الدنيا.
والجواب: أَنَّ التأبيد يختلف باختلاف الأحوال وتفاوت مقامات الخطاب، فَإِنَّ النفي في حق اليهود خاص بالدنيا، والنفي في حق الله غير خاص بزمان ولا مكان، لأَنَّهُ لا تجري عَلَيْهِ الأحوال والأزمان، وصفاته لا تتبدل دنيا وأخرى.
الدَّلِيل الثالث(2):
«ما جاء في آيات الكِتَاب من الإنكار البالغ والتقريع الشديد للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين، مع تحذير المسلمين من أن يقعوا فيما وقعوا فيه، ومن ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ:
· ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ (النساء: 153).
· وَقَوله تَعَالىَ: ﴿وَقَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلآَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فيِ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْاْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: 21).
· وقوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ، وَمَن يَّتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالاِيمَانِ فَقَدْ ضَّلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ (البقرة: 108)».
ووجه الاستدلال بالآيات أَنَّ اليهود حين سألوا الرؤية، وأتوا شَيْئًا كبيرا، حَتَّى إِنَّهُم عوقبوا بالصاعقة «مع أَنَّهُم لم يعاقبوا بمثلها عَلَى جميع ما كانوا يأتونه من الفظائع، حَتَّى عبادتهم العجل».
ب- من السنَّة النبويَّة:
الدَّلِيل الأَوَّل:
«ما رواه الإمامان: البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّهُ قال:} جنتان من فِضَّة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إِلىَ رَبِّهم إِلاَّ رداء الكبرياء عَلَى وجهه في جَنَّة عدن}. ووجه الاستدلال به صراحته في عدم رؤيتهم لله لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذَلِكَ. والكبرياء صفة ذَاتِيَّة لله عَزَّ وَجَلَّ لا يمكن أن يتخلى عنها، كما لا يتخلى عن القدرة أو العلم أو الإرادة … إذ لو تخلى عنها في أي لحظة لانقلب عنها إِلىَ