محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٦٧

المحور الخامس

النبوات

المبحث الأَوَّل:

الوحي وما يتعلَّق به

تمهيد:

هل يُتَصَوَّرُ أَنَّ الله تَعَالىَ الحكيم في فعله، والمنزَّه عن العبث أن يخلق الإِنسَان ويميِّزه بصفات خَاصَّة، ومن أعلى هَذِهِ المميزات: العقل، ثُمَّ يتركه يسرح ويمرح كسائر الحيوانات إِلىَ أن يموت مثلها؟ وهل يتَصَوَّرُ أن يطغى الإِنسَان ويتجبر عَلَى أخيه، فلا يعرف من الدنيا إِلاَّ النعيم والرفاهية، بينما يعيشها الآخر مظلوما مقهورا، لا يرى في الدنيا غير البؤس والشقاء، هل تنتهي قصَّتهما في مشهد واحد بالتساوي في الموت دون أن تكون لِهَذِهِ القِصَّة تتمَّة تُبَيِّنُ وتفسِّر حوادث القِصَّة المبهمة، ليأخذ كلٌّ نصيبه من العدل غير منقوص. إِنَّ قِصَّةً أو مسرحية ذات فصل واحد مبهمة لا يؤلفها طفل عاقل بهذا الشكل؛ «أفيقيم الله الحكيم الخبير قِصَّة كونه العظيم هَذَا عَلَى مثل هَذَا العبث العجيب الذي يتنزَّه عنه الأطفال؟!». وَإِنَّهُ من العجب أن يصل عاقل إِلىَ اليقين بوجود إله خالق عظيم وراء هَذَا الكون، ثُمَّ يطوي فكره عن مزيد البحث!.

على العاقل أن يفكر في هذا التميز الذي حباه الله به من بين سائر الكائنات، وسخَّرها كلَّها له. إن هذا التسخير يقتضي تحمُّل مسؤوليته تجاهها. ولا يمكن للبشر أن يعرفوا كيفية تحمُّل هذه المسؤولية وفق ما يحبه الخالق إلا بتوجيه منه؛ لذلك بعث الله إليهم أنبياء ورسلا، وأنزل عليهم وحيا وكتبا لإرشاد الناس إلى كيفية أداء وظيفتهم في هذه الحياة(1).

أولا - الحاجة إِلى الوحي:

أ- ضرورة الوحي لمعرفة كَيفِيَّة تحمل المسؤولية(2):

إِنَّ الإِنسَان خُلق متميِّزًا بصفات عالية ترفعه عن مستوى الحيوانات، وخُلق هَذَا الكون كلُّه مسخَّرا للإنسان، ألا يمكن أن تكون لِهَذِهِ الميزة مسؤولية تجاه هَذَا الخالق الذي ميَّزه عن رفاقه من المخلوقات بسرِّ الفكر والعقل؟ نبَّه الله تَعَالىَ العقول إِلىَ هَذِهِ الحقيقة حيث قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالىَ اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: 115 - 116).

فإذا أدركت هَذِهِ الحقيقة «فلا بُدَّ من أن تجدَّ البحث عَمَّا يكون مرتَّبا عليك من وظيفة ومسؤولية تجاه خالقك العظيم». وَحَتَّى لا تبقى حائرا في معرفة وظيفتك هَذِهِ، فقد أرسل الله عَزَّ وَجَلَّ رسلا إِلىَ صفوة مختارة من البشر يبلِّغونهم أوامر رَبِّهِم ونواهيه، وينبِّهونهم إِلىَ وجود حياة أخرى يجازى فيها الناس عَلَى ما فعلوه من خير أو شرٍّ.

ب- حاجة العباد إِلىَ النبي أكبر من حاجتهم إِلىَ الطبيب:

«النبوة أداة للعلم بالدنيا وتسييرها، ومعرفة سبيل سعادة الإِنسَان الحَقِيقِيَّة، وَهَذِهِ المقاصد يقصر العقل عن بلوغها، فالنبوة ضرورية ليصل الإِنسَان إِلىَ ما يصبو إِلَيْهِ … » والنبيء كالطبيب، إذ كلاهما يعالج أمراضا ويصف أدوية، وبما أَنَّ الناس بحاجة إِلىَ

(1) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 179 - 182.

(2) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 181 - 182.

٦٨ / ١٥٥