محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٦٨

الطبيب ـ مع أَنَّ علمه تجريبي كسبيٌّ ممكن التحصيل ـ فهم إِلىَ النبي أحوج، لأَنَّ علمه وحيٌ من الله يستحيل عَلَى غيره اكتسابه بالتعلُّم أَو التجريب(1).

ج- معرفة طريقة العبادة لا تكون إِلاَّ من المعبود نفسه:

وتظهر الحاجة أكثر في العبادة، فعند انعدام الوحي تَتَّخِذُ العبادة لدى البشر أشكالا مختلفة، ومذاهب شَتَّى، لأَنَّ العقل لا يصل ولن يصل إِلىَ معرفة طريقة العبادة المطلوبة منه إِلاَّ من المعبود نفسه، وهو الله عَزَّ وَجَلَّ. ولا تقتصر الحاجة إِلىَ الوحي عَلَى جانب العلاقة بين العبد وربه، بل تشمل كُلَّ مناحي الحياة، لأَنَّ مفهوم العبادة يشملها كُلَّهَا؛ لِذَلِكَ نجد القوانين البَشَرِيَّة خاضعة للتبديل والتجديد في كُلِّ حين، لأَنَّهَا تفتقد إِلىَ العدالة والاستقرار، ما لم تستمدَّ استقرارها من الشريعة السَّمَاوِيَّة(2).

ثانيا - تعريف الوحي لغة واصطلاحا:

أ- تعريف الوحي:

1 - الوحي لغة:

أورد علماء اللغة عدَّة معان وتصريفات للوحي، ونقتصر عَلَى ما ذكره الرازي بقوله: «الوَحْيُ: الكتاب وجمعه: وُحِيٌّ، مثل: حَلْيٌ وحُلِيٌّ، وهو أيضا: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفيُّ، وَكُلُّ ما ألقيته إلى غيرك. يقال: وحى إليه الكلام يَحِيهِ وَحْيًا، وأَوْحَى أيضا، وهو أن يكلِّمه بكلام يخفيه … والوَحِيُّ على [وزن] فعيل: السريع، يقال: موتٌ وَحِيٌّ»(3). قال الشيخ محَمَّد رشيد رضا: «فالقول الجامع في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه»(4).

وقد وردت في القرآن استعمالات كثيرة لكلمة الوحي بمعناها اللغوي، دون أن يقصد بها الوحي المعروف للأنبياء، منها:

- إلهام الخواطر وهو الذي يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة كالوحي إلى أمِّ موسى، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنَ اَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيَ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7).

- الإلهام الغريزي، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ … ﴾ (النحل: 68).

- وسوسة الشيطان، وَذَلِكَ في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الاِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمُ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: 112).

- الإشارة والإيماء، قَالَ تَعَالىَ عن زكرياء - عليه السلام -: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (مريم: 11).

2 - الوحي اصطلاحا:

عرَّفه الوارجلانيُّ بِأَنَّهُ: «مخالطة الملائكة لبعض البشر خُصُوصًا وسرًّا عن الناس»(5). والملاحظ في هَذَا التعريف أمران: إضافة قيد السرية عن الناس، مع العلم أَنَّ جبريل يتمثل أحيانا في صورة إنسان، كما في حديث سؤال جبريل لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن

(1) السالمي: مشارق أنوار العقول، ص216. وينتن: آراء الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش العقديَّة، ص 208.

(2) وينتن: آراء، ص 209.

(3) محمد بن أبي بكر الرازي (721هـ): مختار الصحاح، ص297. وانظر: ابن منظور: لسان العرب، 15/ 379 - 382، مَادَّة «وحي». (برنامج مكتبة العقائد والملل، قرص مدمج). الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مطبعة دار السعادة، د. ت، 4/ 399.

(4) محَمَّد رشيد رضا: الوحي المحمَّدي: 44. وانظر: محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص88.

(5) الوارجلاني: الدَّلِيل والبرهان، 2/ 206. نقلا عن: وينتن: آراء، ص217.

٦٩ / ١٥٥