محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٦٩

الإيمان والإسلام والإحسان(1)، فالسرية ليست قيدا مطلقا(2). الأمر الثاني: أَنَّ المخالطة لا تعني بالضرورة الإعلام والإخبار، كما تحمله كلمة الوحي.

وعرَّفه الجيطالي بقوله: «والوحي: علم الأنبياء والرسل»(3). وهو تعريف غير مانع، لأَنَّ علم الأنبياء ليس كلُّه وحيًا، وَإِنَّمَا فيه ما هو بالتعلُّم من البشر وبالتدريب والتجريب، كتعلُّم الصنائع والحرف وسائر أمور الدنيا. وَكَذَلِكَ لم يُوَضِّح العلاقة المتميزة بين الله تَعَالىَ وأنبيائه.

وعرَّفه القطب اطفيَّش بِأَنَّهُ «الإرسال، فيقال: أوحى الله إلى عبد، بمعنى أرسل إليه ملكا يكلّمه، ويكلّفه بالنبوّة؛ ويعني أيضا الإلقاء في القلب … وهذا التعريف يَعُمُّ كثيرين مِمَّن يلهمون أمورا في قلوبهم، وليس خاصًّا بالأنبياء، فهو أقرب إلى التعريف اللغويِّ منه إلى تعريف اصطلاحيٍّ»(4).

وعرَّفه الشيخ محَمَّد عبده «بِأَنَّهُ: عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بِأَنَّهُ من قبل الله بوساطة أَو بغير وساطة»(5)، ويلاحظ عَلَى التعريف استعمال لفظة} الشخص} فهي شاملة للنبيِّ وغيره، ويمكن أن تشتبه أَيضًا بالكشف والإلهام في أحوال الصوفية(6).

بناء عَلَى التعاريف المذكورة والملاحظات التي أوردناها عَلَيْهَا، نخلص إِلىَ هَذَا التعريف الاصطلاحي المقترح وهو: «الوحي معرفة خصَّ الله بها أنبياءه». فيدخل في المعرفة كُلُّ ما يلقيه الله تَعَالى إِلىَ أنبيائه، بشتى الطرق والوسائط الآتي ذكرها بحول الله، سواء ما كان من الوحي خفيًّا أو جليًّا، وسواء أكان بواسطة الملائكة، أم بالنفث في الروع، أم بالرؤيا، أم التكليم … ولفظة} خصَّ} تمنع من دخول المعاني اللغويَّة للوحي كالإلهام الغريزي، والوسوسة … إلخ والتي تكون لغير الأنبياء والرسل. ولفظة} الأنبياء} تشمل الرسل كَذَلِكَ، لأَنَّ كُلَّ رسول نبي، عَلَى المشهور.

الاستنتاج: نستنتج من تعريف الوحي أمرين:

- الأَوَّل: لا يدخل في معنى الوحيِ الإلهامُ والشعورُ الباطنيُّ وما يُسَمَّى بالفراسة والحدس، وإن كانت الكلمة مستعملة في اصطلاح بعض الناس.

- الثاني: لا يكون الوحي في ابتدائه إِلاَّ في اليقظة التَّامَّة، فليس للرؤى والأحلام أيُّ علاقة بإثبات النبوَّة. وإذا ثبتت النبوَّة كانت رؤى الأنبياء وحيا، «ما لم يأت وحي في اليقظة يعارضه أَو يَرُدُّه»(7).

ثالثا - الوحي وبعث الرسل بين الوجوب والجواز والاستحالة عقلاً:

انقسمت البَشَرِيَّة في شأن قبول الوحي والنبوءة عقلا وواقعا إِلىَ عِدَّة أصناف، والذي عَلَيْهِ الإِبَاضِيَّة وجمهور المسلمين أَنَّهَا جائزة عقلا. قال الشيخ السالمي(8):

(1) البخاري: كِتَاب تفسير القرآن، باب قَوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]، حديث رقم 4499.

(2) ونفس النقد يمكن توجيهه لقول الشيخ رشيد رضا: «ووحي الله تعالى إلى أنبيائه قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما الخفاء والسرعة». اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يقال: إِنَّ الخفاء المقصود هو خفاء الصورة الحَقِيقِيَّة للملك، فَهَذَا أمر مُتَّفَق عَلَيْهِ. انظر: محَمَّد رشيد رضا: الوحي المحمَّدي: 44. وينتن: آراء، ص 216.

(3) الجيطالي: قواعد، 1/ 80.

(4) وينتن: آراء، ص217.

(5) محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص88.

(6) رغم محاولة الشيخ محَمَّد عبده تبيين الفرق بين الوحي والإلهام ـ بأَنَّ الثاني هو «وجدان تستيقنه النفس وتنساق إِلىَ ما يطلب عَلَى غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور» ـ فَإِنَّهُ لا يزال هناك التباس بين الإلهام لشخص عادي، وبين الإلهام للنبيِّ، وهو ما يُسَمَّى بالنفث في الروع. انظر: محَمَّد عبده: رسالة، ص89.

(7) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 184 - 185.

(8) السالمي: مشارق، ص 215؛ بهجة الأنوار، ص96 - 97.

٧٠ / ١٥٥