محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٧٠

«ثُمَّ من الجائز بعث الرسل يهدوننا إِلىَ الصراط الأعدل»

المقصود بالجواز هنا: الجواز العقلي، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بالإمكان الخاصِّ المنافي للوجوب والاستحالة(1)، فبعث الرسل من الصفات الجائزة في حقِّه تَعَالىَ، أي له أن يفعل ذَلِكَ، وله أن لا يفعله، ويصحُّ اتِّصَافه به وعدم اتِّصَافه به. وليس من الواجب عَلَيْهِ تَعَالىَ خلافا للمعتزلة والفلاسفة، ولا من المستحيل عَلَيْهِ، خلافا للبراهمة(2) والسُّمَنِيَّة(3) ونحوهم.

مواقف البشر تجاه الوحي والرسالات

الجواز، والإيمان بجميع الرسالات • جمهور المسلمين … الوجوب عقلا والإيمان بجميع الرسالات … الجواز عقلا والإيمان بِبَعْض الرسالات والكفر بِبَعْضها • اليهود والنصارى وَبَعض البراهمة … الجواز عقلا ومنع وقوعها … الاستحالة عقلا وواقعا • أغلب البراهمة والسمنية

• المعتزلة

أ- القائلون بوجوب بعث الرسل:

القائلون بوجوب بعثة الرسل عَلَى الله تَعَالىَ هم المعتزلة وبعض الفلاسفة. فَأَمَّا المعتزلة فيقولون: إِنَّ صلاحية أمر المعاش والمعاد متوقفة عَلَى وجود الرسل، فلا يتِمُّ نظامها إِلاَّ بهم، وهو مبنيٌّ عَلَى مذهبهم الفاسد القائل بوجوب رعاية الأصلحية عَلَى الله تَعَالىَ، ووجوب مراعاة الأصلحية مبنيٌّ عَلَى قولهم بتحكيم العقل وردِّ الشرع إليه. وقد رَدَّ أغلب العلماء عَلَى المعتزلة تقديمهم للعقل عَلَى الشرع، ووجوب مراعاة الأصلحية عَلَى الله بِعِدَّةِ أدلة، ليس المقام لتفصيلها(4).

«وَأَمَّا الفلاسفة فقد أوجبوا ذَلِكَ عَلَى الله تَعَالىَ بطريق العِلَّة أو الطبيعة. وبطلان مذهبهم ظاهر، لأَنَّ الله تَعَالىَ هو الصانع المختار لا العِلَّة ولا الطبيعة»(5).

ب- القائلون باستحالة بعث الرسل:

وَأَمَّا القائلون باستحالة النبوة وأنكروها فقد برَّروا موقفهم بِعِدَّةِ أمور:

1 - إِنَّ بعث الرسل إِلىَ من ينكرهم يعتبر عبثا يتنزَّه الله عنه(6). وجوابهم من وجهين: الأَوَّل: لا شَكَّ أَنَّ إيمان البعض ينفي العبث. الثاني: إِنَّ الله تَعَالىَ أراد أن يقيم بهم الحجَّة عَلَى الكُفَّار يوم القيامة، إذ يقول: ﴿يَآأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: 19)، وبهذا يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ بعثة الرسل من تمام حكمة الله، كما قَالَ في آية أخرى: ﴿ … رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 165).

(1) يضيف السالميُّ قائلا: «تنبيه: يَتَرَتَّبُ عَلَى قولنا بِأَنَّ بعث الرسل من الجائز العقلي عدم وجوب معرفة أَنَّ لله رسولا بخاطر البال، فَإِنَّهُ متى ما جوَّز العقل وجودَ بَعْثِ الرسول وعَدَمَه كان معه كلا الطرفين سواءً، فلا يكون طريق معرفة البعث [بعث الرسل] إِلاَّ السماع». مشارق، ص216.

(2) البراهمة نسبة إِلىَ ملكهم برهمي أو براهم، وهم من الهندوس، وقد شاع عنهم إنكار النبوات، ولهم طقوس خرافية، كإحراق أنفسهم وهم أحياء ابتغاء رضوان الله، وإنكار ذبح الحيوان لأَنَّهُ تعذيب له، حسب زعمهم … انظر: ابن حزم (456هـ): الفصل في الملل، 1/ 63. الشهرستاني (548هـ): الملل والنحل، 2/ 250 - 252. أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (597هـ): تلبيس إبليس، 1/ 82 - 83، 86 … (برنامج العقائد والملل).

(3) هكذا ضبطه صاحب مختار الصحاح، نسبة إِلىَ قرية سومنات بالهند، وهم من الفلاسفة المنكرين للإيمان بِشَيْءٍ غير محسوس، ويقولون بالتناسخ. انظر: الماتريدي (333هـ): التوحيد: 1/ 152. البغدادي (429هـ): الفرق بين الفرق: 1/ 253، 346. الرازي (721هـ): مختار الصحاح، 1/ 132. الإيجي (756هـ): المواقف: 1/ 130. المناوي (1031هـ): التعاريف، 1/ 415. (البرنامج نفسه).

(4) انظر عَلَى سبيل المثال: السالمي: طلعة الشمس، 2/ 235 - 240. معارج، 1/ 160 وما بعدها.

(5) السالمي: مشارق، ص 215. وانظر: بهجة، ص 96 - 97.

(6) انظر: ابن حزم: الفصل في الملل، 1/ 63. (برنامج العقائد والملل). وينتن: آراء، 211 - 212. وأحال عَلَى: القطب: فتح الله، 90و-90ظ. حاشية القناطر، 2/ 60و. وللقطب ردَّان آخران غير ما ذكرناه، فراجعهما.

٧١ / ١٥٥