أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٧١2 - من المحتمل أن يكون ذَلِكَ الخبر الذي جاء إِلىَ هَذَا البشر إِنَّمَا هو من إلقاء الجنِّ. أجاب القطب اطفيَّش، والشيخ السالمي عن هَذَا بقولهما: إِنَّ الله يخلق في البشر الموحى إِلَيْهِ علمًا يدرك به أَنَّ ذَلِكَ الخبر من عند الله، لا من الجنِّ والشياطين(1). ويبدو أَنَّ هَذَا الردَّ من الشيخين غير كاف وغير مقنع، إذ كيف يقتنع من ينكر الوحي أصلا بِأَنَّ الله خلق هَذَا الإدراك في الشخص الموحى إِلَيْهِ؟ فالإدراك لا يتعدَّى الشخص الموحى إليه إلى غيره مِمَّن ينكر الوحي.
وَلَعَلَّ الجواب الأنسب هو أمران:
- أحدهما: إِنَّ وجود المعجزات التي تصاحب النبي أو الرسول، ـ وأعظمها معجزة القرآن المنزل عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، بما حواه من مختلف مظاهر الإعجاز العلمي(2) والغيبي والتشريعي والبلاغي ـ من أكبر الأَدِلَّة عَلَى أَنَّ مصدره من الله لا من البشر.
- ثانيهما: إِنَّ الاحتمال ـ احتمال أن يكون ما أتى به النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم من الجنِّ لا من عند الله ـ ليس دليلا عَلَى نفي أَنَّهُ من عند الله، إذ إِنَّ من القضايا المنطقية المعروفة أَنَّ نفي الشَّيْء الثابت أحوج إِلىَ الدليل من الإثبات.
3 - إِنَّ بعثة الرسل مستحيلة لاستحالة خرق العادة عقلا. وأجيبوا بِأَنَّ خرق العادة ليس بِأَشَدَّ من بدء خلق السَّمَاوَات وَالأَرْض(3). ويضاف إِلىَ ذَلِكَ أَنَّ الله تَعَالىَ هو واضع نظام وقوانين الكون، فهو القادر عَلَى خرق هَذَا النظام.
4 - «إن جاءت الرسل بما يدرك عقلا لم يكن في إرسالهم فائدة، وكان في قضايا العقل مندوحة عن غيرها، وإن جاءت الرسل بما لا يدرك عقلا فلا يقبل ما يخالف العقل». وأجيبوا بِأَنَّ «الشرع يرشد إلى ما لا يستدرك بمحض العقول، ولا يَرِد بما يقضي العقل بخلافه، وإذا لم يكن في إرسال الرسل استحالة أو خروج عن الحقيقة فيجب الحكم بجوازه»(4).
ج- القائلون بجواز بعث الرسل المنكرون لوقوعه:
أَمَّا الذين قالوا بإمكانية النبوءة عقلا، ولم يستبعدوا وقوع اتِّصَال بين عالم الغيب وعالم البشر عن طريق الوحي، لَكِنَّهُمْ لم يعترفوا بوجود نبيء مرسل موحى إليه، فقد أجابهم السالمي بوجود المعجزات الدَّالَّة عَلَى وقوعها حيث لا معارض(5).
وقد أورد القطب اطفيَّش حجَّتهم المتمثِّلة في قولهم: إِنَّهُ لا يصدر من الوحي إِلاَّ ما هو خير وفيه سعادة للناس، لكن يوجد في التشريعات السَّمَاوِيَّة ما ينفر منه العقل، مثل تشريع ذبح الحيوان، والتكليف بتحمُّل بعض المشاقِّ كمنع الأكل والشرب في الصوم، وتحريم بعض الشهوات، وَرَدَّ عَلَيْهِم بِأَنَّ «مصدر هذا الرفض يرجع إلى عدم إدراك العقل للحكمة من هذه الشرائع، وهو قصور منه، ولو علم الحكمة من إباحة أكل لحم الحيوان، وتحريم المحرَّمات كلّها لاستساغ كُلَّ ذلك وقبِلَه»(6).
رابعا: طرق الوحي:
وردت في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف أغلب طرق الوحي، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا … ﴾ (الشورى: 51 - 52). وقد فسِّر قَوله تَعَالىَ: ﴿إِلاَّ وَحْيًا﴾ بالنفث في الروع، أي الإلهام، وبالرؤيا في المنام، وقوله: ﴿اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً﴾ فسِّر بجبريل - عليه السلام -(7).
(1) السالمي: مشارق، ص 215. وينتن: آراء، 209 - 210.
(2) يرى المفكر وحيد الدين خان أَنَّ علم الكلام الجديد يتمثَّل في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، (في الآفاق وفي الأنفس، والذي يشمل العلوم الطبيعية، والكونية، وَالاِجتِمَاعِيَّة، والنفسية والتاريخية وعلم الآثار)، وهو علم الكلام الذي يجب عَلَى المسلمين التركيز عَلَيْهِ وتدوينه، لأَنَّهُ يستند إِلىَ القوانين الكونية الثابتة، وليس منبنيًا عَلَى الأساليب القياسية الجدليَّة التي تختلف من عصر إِلىَ آخر. انظر: وحيد الدين خان: الإِسلاَم والعصر الحديث، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1406هـ/1986م، ص76 - 83.
(3) السالمي: مشارق، ص 216.
(4) عبد الملك بن عبد الملك بن يوسف (438هـ): لمع الأدلة في قواعد أهل السنَّة والجماعة، 1/ 123. (برنامج العقائد والملل) وللقطب اطفيَّش ردٌّ عَلَى نحو ما ذكر. انظر: وينتن: المرجع السابق، ص212 - 213. وأحال عَلَى الهميان، 1/ 490.
(5) السالمي: مشارق، ص 216.
(6) وينتن: آراء، ص214. أحال عَلَى فتح الله، 2/ 91و.
(7) انظر: تفسير القرطبي، ج16، ص53، تفسير قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا … ﴾