أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٧٢وفي مسند الربيع: سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا(1).
ويمكن تلخيص كَيفِيَّة نزول الوحي في الطرائق الآتية:
1. تكليم الله للرسول بلا واسطة، كسيِّدنا موسى - عليه السلام -، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164).
2. ظهور الملك عَلَى صورته، كما وقع للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في بدء الوحي، وَهُوَ بغار حراء، قال صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث بدء الوحي: « … بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ … »(2)، أو عند الإسراء والمعراج، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (التكوير: 23)، وقال: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾ (النجم: 13 - 14).
3. تمثُّل الملك في صورة بشر يكلِّم النبيء، ويسمع مَن معه، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». أو كما في حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإِسلاَمِ والإحسان والساعة(3)، وقد نصَّ النسائيُّ عَلَى أَنَّ جبريل - عليه السلام - جاء في صورة دِحْيَةَ الكلْبِي(4).
4. مجيء الملك دون صورته، ودون أن يدرك مَن حولَه شيئا، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ».
5. الوحي في المنام، كما قال تَعَالىَ عَلَى لسان إبراهيم - عليه السلام -: ﴿قَالَ يَابُنَيِّ إِنِّيَ أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَآ أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ﴾ (الصافات: 102)، وقد سَمَّى إسماعيل الرؤيا أمرًا من الله. وفي الأثر: «رؤيا الأنبياء وحي»(5).
6. الكِتَابة عَلَى شَيْء، كالألواح لموسى - عليه السلام -: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 145).
7. الإلهام: وهو ما يلقيه الله تعالى في قلب النبيء، في اليقظة أو في المنام، فيعلم أَنَّهُ وحيٌ، وقد سَمَّاهُ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم نفثًا في الروع، إذ قال - عليه السلام -: «إِنَّ روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حَتَّى تستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطلب»(6).
8.
(1) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: [2] بَابٌ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، رقم 02، ص 05. البخاري: كِتَاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم02.
(2) تَقَدَّمَ تخريجه.
(3) نصُّ الحديث عند الربيع: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ أَتَاهُ آتٍ حَسَنُ الْوَجْهِ، طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فَقَالَ: أَدْنُو مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَدَنَا فَقَالَ لَهُ: مَا الإِيمَانُ؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ»، فَقَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: وَمَا الإِسْلاَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِقَامُ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالاِغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»، قَالَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ تَغَيَّبَ فَإِذَا هُوَ جِبْرِيلُ - عليه السلام -. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، ج3، [2] بَابُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: الإِيمَانُ قَوْلٌ بِلاَ عَمَلٍ، رقم 769، ص201.
ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، بدون زيادة الغسل من الجنابة. وبزيادتها عند أبي داود، كِتَاب السنة، باب في القدر، رقم 4695. وَكُلُّهم رووه بزيادة سؤاله - عليه السلام - عن الساعة وأماراتها، إِلاَّ الربيع.
(4) كِتَاب الإيمان وشرائعه، باب صفة الإيمان والإِسلاَمِ، حديث 4991.
(5) استشهد به الشيخ اطفيَّش حديثا (انظر: وينتن: آراء، ص219) وهو في البخاري قول لعبيد بن عمير في كتاب الوضوء، باب التخفيف في الوضوء رقم138. وأورده الترمذي قولا لابن عبَّاس، كِتَاب المناقب عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، باب في مناقب عمر بن الخطَّاب، رقم 3689.
(6) قال العجلوني: «رواه في مسند الفردوس عن جابر … ورواه أبو نعيم والطبراني عن أبي أمامة، والبزَّار عن حذيفة، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا وصحَّحه الحاكم عن ابن مسعود كذا في فتح الباري». العجلوني: كشف الخفاء، 1/ 268. (المكتبة الألفية، قرص مدمج)