أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٧٣الوحي الذي يصدرعن النبيء بالتأمُّل في الأحكام والاجتهاد فيصبح وحيًا باعتبار أنَّ الله تعالى يقرُّه على ذلك(1). قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3 - 4).
خامسا: أَدِلَّة ثبوت الوحي(2):
1 - التمييز الواضح بين القرآن والحديث: فقد كان يأمر بتسجيل كُلِّ ما ينزل عَلَيْهِ من القرآن فورا، لأَنَّهُ كلام الله نزل بحروفه وألفاظه، أَمَّا الحديث فكانت معانيه من الله وألفاظه من عنده - عليه السلام -، ولم يأمر بتدوينه حذر أن يختلط كلام الله بكلامه هو.
2 - كان صلَّى الله عليه وسلَّم يُسأل عن بعض الأمور فلا يجيب عنها انتظارا للوحي، حَتَّى إذا نزل عَلَيْهِ دعا السائل ليتلو عَلَيْهِ ما نزل. وَرُبَّمَا تصرف باجتهاده عَلَى نحو مُعَيَّن، فينزل الوحي بعتابه ولومه أو بتقريره.
3 - كان الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم أميا، ومن غير الممكن أن يعلم إنسان بواسطة التفكير والتأمل حقائق تَارِيخِيَّة، كقصة يوسف، وأم موسى، وقصة فرعون. قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48).
4 - إِنَّ صدق الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم وأمانته وكرم أخلاقه أربعين سنة ينفي أن يكون منطويا عَلَى أحطِّ مظاهر التدجيل والكذب والتمثيل؛ فلو ثبتت عَلَيْهِ كذبة واحدة أو معصية لاشتهرت لشدَّة عداوة أعدائه وكثرتهم(3).
وإذا ثبت إعجازُ القرآن الكريم، وتحدِّيه للمنكرين مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صدق نبوة سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فنبوَّة من أخبر عنهم ثابتة أَيضًا(4).
سادسا: شبهات للتشكيك في صِحَّة وقوع الوحي(5):
اهتم أعداء الإِسلاَم بالتلبيس عَلَى حقيقة الوحي، للخلط بينه وبين الإلهام وحديث النفس، بل وَحَتَّى الصرع أَيضًا؛ لأَنَّهُم عَلَى يقين أَنَّ الشكَّ في الوحي يُؤَدِّي بالمؤمنين برسالة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم إِلىَ الشكِّ والكفر بِكُلِّ ما يتفرَّع عن الوحي من عقائد وأحكام، ما دام الوحي ليس سوى حالات نفسية تعتري الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم. فمن قائل: إِنَّ الرسول اهتدى بعد تفكير عميق إِلىَ طريقة يراها كفيلة بالقضاء عَلَى الوثنية. ومن قائل بِأَنَّهُ - عليه السلام - تعلم القرآن وأخذ مبادئ الإِسلاَم عن بحيرا الراهب، وآخر يقول: إِنَّ محَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم كان عصبيًّا مصابا بداء الصرع(6). والجواب عَلَى أولئك المشكِّكين أن نقول: لا مفرَّ لكم من أحد سبيلين: إِمَّا أن لا تعتمدوا تلك النصوص التي وردت فيها كلمة الوحي أصلا (وهي الكِتَاب وَالسُّنَّة)، وبالتالي لا تدخل هَذِهِ الكلمة في المناقشة ولا في عالم أفكاركم، فلا يمكنكم الحديث عن شَيْء اسمه الوحي في حياة الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، وَإِمَّا أن تعتمدوا هَذِهِ الكلمة وتستعملوها، وحينئذ لا يسعكم إنكار تلك النصوص التي وردت فيها، فَلاَ بُدَّ لكم من إلقاء السمع لِمَا تثبته تلك النصوص من الحقائق والوقائع. أَمَّا أن تأخذوا الكلمة ـ كلمة الوحي ـ وتبتسروها مجردة عن نصوصها التي تفسرها وتبين ملابساتها، فَهَذَا غير معقول، وغير مقبول علميا.
ونورد هنا اثنتين من تلك الشبه، ونرى هل تصمدان أمام النقد العلمي أم لا؟
(1) ذكر الصنفين الأخيرين القطب اطفيَّش، ينظر: الهميان: 2/ 239. شرح الدعائم: 1/ 17. التيسير: 3/ 304 - 305؛ 11/ 513. الذهب الخالص: 20. نقلا عن وينتن، ص218.
(2) انظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص 193 - 195.
(3) انظر: القطب اطفيَّش: فتح الله، 2/ 89ظ، وَاتَّفَقَ الشيخ اطفيَّش في هَذَا الاستدلال مع أبي منصور الماتريدي (كتاب التوحيد، ص176 - 177)، وأبي عَمَّار عبد الكافي (الموجز، 1/ 302، 312). نقلا عن وينتن: آراء، ص208.
(4) وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة، ص 207. أحال عَلَى فتح الله، 2/ 89ظ.
(5) انظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص 186 - 195.
(6) أحال عَلَى: حاضر العالم الإِسلاَمِي، لـ، 1/ 28 - 29.