محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٧٤

الشبهة الأولى: ألا يمكن أن يكون ما جاء به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من عنده؟

وجوابه باختصار: إِنَّ ملابسات وقوعه حسب المصادر الحديثية(1) والتاريخية تنفي ذَلِكَ. ونزيد القَضِيَّة توضيحا فنقول:

إذا ثبت أَن لا مناص من الرجوع إِلىَ المصادر الحديثية والتاريخية التي أتت بتفاصيل الوحي وبدئه، فَإِنَّ عِدَّة تساؤلات تطرح نفسها، منها: لماذا رأى النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في غار حراء جبريل بعيني رأسه، بينما كان من الممكن أن ينبِّئه من وراء حجاب؟ لماذا تملَّكه الخوف والرعب، وقد كان من المفترض أَنَّ محبة الله لرسوله أن ينزل عَلَيْهِ السكينة والطمأنينية؟ «لماذا خشي عَلَى نفسه أن يكون هَذَا الذي ساوره طائفا من الجنِّ، ولم يستيقن من أَوَّل الأمر أَنَّهُ ملك من عند الله؟ لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذَلِكَ لِمُدَّة طويلة، وجزع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم بسبب ذَلِكَ جزعا عظيما، حَتَّى إِنَّهُ كان يحاول ـ كما يروي الإمام البخاري ـ أن يتردى من شواهق الجبال؟. إِنَّ الجواب عن هَذِهِ الأسئلة يجعل المفكر الحرَّ يجد فيها الحقيقة الناصعة، ويسلم من شَرَك أخيلة المشكِّكين، ويتلخَّص الجواب فيما يأتي:

1 - إِنَّ رؤية الملك بعينيه ليتبين أَنَّ الوحي ليس «أمرا ذاتيا داخليا مردُّه إِلىَ حديث النفس المجرد، وَإِنَّمَا هي استقبال لحقيقة خَارِجِيَّة لا علاقة لها بالنفس … وضمُّ الملك إِيَّاهُ ثُمَّ إرساله ثلاث مَرَّات قائلا في كُلِّ مَرَّة: اقرأ، يعدُّ تأكيدا لهذا التلقي الخارجي، ومبالغة في نفي ما قد يُتَصَوَّرُ من أَنَّ الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط».

2 - إِنَّ الخوف الذي تملَّكه يُوَضِّحُ أَنَّهُ لم يكن متشوقا للرسالة، وَأَنَّهَا لم تكن متوقَّعة، وَأَنَّهَا «طرأت طروءا مثيرا عَلَى حياته». وهو ما ينفي الشبهة القائلة: إِنَّ الوحي كان نتيجة تأمل وتفكير أَدَّى بالتدريج إِلىَ الكشف والإشراق الروحي، لأَنَّ ذَلِكَ لا يستدعي المفاجأة والخوف واصفرار اللون. وهي من الانفعالات النفسية القسرية التي لا سبيل إِلىَ اصطناعها. ولا يستدعي أن يكون قد مَسَّه طائف من الجنِّ حَتَّى طمأنته خديجة أَنَّ الشيطان لا يَمَسُّه بأذى لِمَا فيه من الخصال الحميدة. والحكمة من كُلِّ ذَلِكَ أن يُبَيِّن الله تَعَالىَ أَنَّ شَيْئًا من أركان العقيدة أو الشريعة لم يكن يدور بخلد الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم سلفا عَلَى الإطلاق.

3 - إِنَّ انطلاق خديجة بِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلىَ ورقة بن نوفل ـ وهو الخبير بالتوراة والإنجيل ـ إزالة لِكُلِّ التباس حول ما وقع للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وتأكيد عَلَى أَنَّ الذي فوجئ به إِنَّمَا هو الوحي الذي نزل عَلَى الأنبياء قبله.

4 - إِنَّ انقطاع الوحي لِمُدَّة سِتَّة أشهر أو أكثر ـ والضيق النفسي الشديد الذي أصيب به النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم حَتَّى خشي أن يكون الله قد قلاه لسوء قد صدر منه ـ يبدِّد الشكوك في كون الوحي أمرا داخليا نابعا من التأمل والتفكير.

(1) لمزيد بيان نورد نصُّ رواية البخاري (كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، حديث رقم4، ج1/ص4)،، وهي كالآتي:

«حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ ـ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ اقْرَأْ، قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ، وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟! قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ. وَفَتَرَ الْوَحْيُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ».

٧٥ / ١٥٥