محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٧٥

الشبهة الثانية: لماذا يرى النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - الملَك وحده ولا يراه أصحابه؟

الجواب: «ليس من شرط وجود الموجودات أن تُرى بالأبصار، إذ إِنَّ وسيلة الإبصار فينا محدَّدة بحدٍّ مُعَيَّن، وَإِلاَّ لاقتضى ذَلِكَ أن يكون الشَّيْء معدوما إذا ابتعد عن البصر بعدا يمنع من رؤيته، عَلَى أَنَّ من اليسير عَلَى الله جَلَّ جَلاَلُهُ ـ وهو الخالق لِهَذِهِ العيون المبصرة ـ أن يزيد في قُوَّة ما شاء منها، فترى ما لا تراه العيون الأخرى. يقول مالك بن نبي في هَذَا الصدد:} إِنَّ عمى الألوان مثلا يقدم لنا حالة نموذجية، وهناك أَيضًا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شَيْء يثبت عمليا أَنَّهَا كَذَلِكَ بالنسبة لجميع العيون، فقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية}(1)».

الشبهة الثالثة: إذا كان الوحي لتوحيد وإسعاد البَشَرِيَّة فلماذا بقيت متفرقة شقية؟

أجاب الشيخ محَمَّد عبده بمثال محسوس قائلا: إِنَّ منزلة النبوات من المجتمع كمنزلة البصر من الجسد، «أليس من وظيفة الباصرة التمييز بين الحسن والقبيح من المناظر، وبين الطريق السهلة السلوك والمعابر الوعرة؟ ومع ذَلِكَ فقد يسيء البصير استعمال بصره فيتردَّى في هاوية يهلك فيها، وعيناه سليمتان تلمعان في وجهه، يقع ذَلِكَ لطيش أو إهمال أَو غفلة أَو لجاج وعناد. وقد يقوم من العقل والحسِّ ألف دَلِيل عَلَى مَضَرَّة شَيْء، ويعلم ذَلِكَ الباغي في رأيه من أهل الشرِّ، ثُمَّ يخالف تلك الدلائل الظاهرة، ويقتحم المكروه لقضاء شهوة اللجاج أو نحوها. وَلَكِنَّ وقوع هَذِهِ الأمثال لا ينقص من قدر الحس أَو العقل فيما خُلق لأجله. كَذَلِكَ الرسل عليهم السلام أعلام هداية نصبها الله عَلَى سبيل النجاة، فمن الناس من اهتدى بها فانتهى إِلىَ غايات السعادة، ومنهم من غلط في فهمها فانكب في مهاوي الشقاء … »(2).

*************************

المبحث الثاني:

الأنبياء والرسل

- وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل:

مِمَّا يجب عَلَى العبد اعتقاده «أَنَّ لله جملة الأنبياء والرسل، أرسلهم إِلىَ عباده، وجعلهم الأمناء عَلَى خلقه، والحكَّام في بلاده، وأنزل عَلَيْهِم كتبه وآياته وكلماته، وجعل أولهم آدم أبا البشر رسولا إِلىَ أولاده، وآخرهم نبيئنا محَمَّدًا - عليه السلام -، ختم به أنبياءه ورسله، وأنزل عَلَيْهِ القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، نزل به الروح الأمين عَلَى قلب محَمَّد - عليه السلام -، ليكون من المنذرين بلسان عربيٍّ مبين، وَأَنَّهُ كلام الله ووحيه وتنزيله، وَأَنَّ الأنبياء والرسل كلهم آدميون»(3).

- تعريف النبوة والرسالة لغة واصطلاحا:

أ- تعريف النبوة والرسالة لغة:

1 - النبوَّة والنبوءة لغة:

تستعمل العرب لفظة} النبيِّ} و} النبيء}، بالهمز وبلا همز، كالبريَّة والبريئة(4). «قال الزجَّاج: القراءة المجتمع عليها في النبيين والأنبياء طرح الهمز، وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القرآن من هذا … قال: والأجود ترك الهمز، لأَنَّ الاستعمال

(1) الظاهرة القُرآنِيَّة، ص127. نقلا عن البوطي.

(2) رسالة التوحيد، ص102 - 103.

(3) الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، 1/ 82 - 83.

(4) انظر: الرازي: مختار الصحاح، ص 268، مَادَّة «ن. ب. أ» ومَادَّة «ن. ب. و».

٧٦ / ١٥٥