محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٧٧

فلم نعصمهم، والوجه الثاني: أَنَّهُم أُرْسِلوا عليهم وقُيِّضُوا لهم بكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَّعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ (الزخرف: 36)، ومعنى الإرسال هنا التسليط. والفرق بين إرسال الله عَزَّ وَجَلَّ أنبياءه وإرساله الشياطين على أعدائه أنَّ إرساله الأنبياء إِنَّمَا هو وحيه إليهم، وإرساله الشياطين على الكافرين تخليته وإيَّاهم.

الانقطاع في السند: وفي مصطلح الحديث:} حديث مرسل} إذا كان غير مُتَّصِل الإسناد، وجمعه: مراسيل.

والأمر الجامع بين المعنى الاصطلاحي، وَالْمَعْنَى اللغوي للفظة الرسول والرسالة: البعث والتوجيه والتتابع، قَالَ تَعَالىَ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون: 44)، أي واحدا بعد واحد. وقد يكون في المعنى الاصطلاحي معنى الاستئناس، لأَنَّ الرسل من جنس البشر ومن قوم المرسل إِلَيْهِم غالبا، قَالَ تَعَالىَ: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ … ﴾ (التوبة: 128).

ب- تعريف النبوة والرسالة اصطلاحا والفرق بينهما:

1 - النبوة والرسالة اصطلاحا:

إذا أطلق لفظ الرسول في الشرع فَإِنَّمَا يراد به غالبا رسل الله(1)، وقد يطلق «وَيُرَادُ بِرُسُلِ اللهِ تَارَةً الْمَلاَئِكَةُ، مِثْلُ قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إنَّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يَّصِلُوا إلَيْك﴾ [هود: 81]، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود: 77]. وَتَارَةً يُرَادُ بِهِمْ الأَنْبِيَاءُ مِثْلَ قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]»(2).

قال الشيخ البوطي: «النبَّوة مأخوذة من النبأ بمعنى الخبر، ومعناها وصول خبر من الله بطريق الوحي إِلىَ من اختاره من عباده … فالكلمة إذن تفسير للعلاقة التي بين النبي والخالق جَلَّ جَلاَلُهُ، وهي علاقة الوحي والإنباء. والرسالة تعني تكليف الله أحد عباده بإبلاغ الآخرين بشرع أو حكم مُعَيَّن، فالكلمة إذن تفسير للعلاقة التي بين النبي وسائر الناس، وهي علاقة البعث والإرسال … ومن هنا كان النبوة أشرف من الرسالة»(3). ويضيف الشيخ قائلا: «فَإِنَّنَا نعرِّف كلاًّ من النبيِّ والرسول بِأَنَّهُ:} إنسان أوحى الله إِلَيْهِ بواسطة جبريل أن يبلِّغ عَامَّة الناس أو فئة منهم أمرا من قبل الله جَلَّ جَلاَلُهُ، فإن أوحى الله بأمر ولم يأمره بتبليغه فهو نبي فقط}»(4). والملاحظ أَنَّهُ قيَّد الوحي بِأَن يكون بواسطة جبريل، ومن المعلوم أَنَّ الوحي قد يكون بغيره، كما قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51)، وكما ورد في الحديث الطرق المختلفة للوحي، وسيأتي بحول الله تفصيل الكلام في ذَلِكَ.

وعرَّف الشيخ محَمَّد عبده النبيَّ قائلا: هو «إنسان فُطِر عَلَى الحقِّ علما وعملا، أي بحيث لا يعلم إِلاَّ حَقًّا، ولا يعمل إِلاَّ حَقًّا عَلَى مقتضى الحكمة، وَذَلِكَ يكون بالفطرة، أي لا يحتاج فيه إِلىَ الفكر والنظر، وَلَكِن [إلى] التعليم الإلهي. فَإِنْ فُطِرَ أَيضًا عَلَى دعوة بني نوعه إِلىَ ما جُبِلَ عَلَيْهِ فهو رسول أَيضًا»(5). ويلاحِظ الشيخُ البوطي عَلَى هَذَا التعريف استعمالَه لكلمة الفطرة بدل الوحي، وهو معارض لِمَا اتَّفَقَت عَلَيْهِ الأُمَّة، من اتِّخَاذ الوحي قيدا أساسيًّا في تعريف النبي؛ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِ ردًّا لاذعا، بما يوحي باتِّهام الشيخ محَمَّد عبده بالإلحادِ، والعداوةِ للعقيدة الإِسلاَمِيَّة!!. وَلَكِن لَعَلَّ الأفضل هو التماس العذر أَوَّلاً للشيخ عبده، خَاصَّةً وَأَنَّهُ استعمل عبارة} التعليم الإلهي}، ففيها إشارة إِلىَ الوحي، وَرُبَّمَا قد استعمل هَذَا التعريف في ظرف مُعَيَّن، لأَنَّا نجده في مقام التأليف الدقيق دافع عن الوحي وأطال في الاستدلال عَلَى إمكانيته عقلا، وَعَلَى وقوعه فعلاً(6). ولاَ بُدَّ إذن من معرفة ملابسات كلام الشيخ عبده، ومعرفة الْمُتَقَدِّم والمتأخر، حَتَّى نستطيع الخروج بحكم علميٍّ منصف.

(1) قد يراد به في الكتب الفِقْهِيَّة: «الشَّخْصُ الْمُرْسَلُ مِنْ إنْسَانٍ إلَى آخَرَ بِمَالٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ». انظر: وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).

(2) وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).

(3) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 183.

(4) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 184.

(5) أحال عَلَى موقف العقل والعلم من رَبِّ العالمين: مصطفى صبري، 4/ 40.

(6) انظر: محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص88 - 95.

٧٨ / ١٥٥