أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٧٨ويبدو أَنَّ التعريف الذي يمكن اعتماده، هو تعريف الجمهور للنبي، والذي نقله(1) المحشِّي والسالمي حين عرَّفاه بِأَنَّهُ: إنسان حرٌّ ذَكَرٌ سليم من منفِّر طبعا، أوحى الله إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر فرسول أَيضًا وإن لم يكن له كِتَابٌ ولا نسخٌ لشرع من قبله عَلَى الأشهر، فالرسول أخصُّ مطلقا من النبيء(2). فخرج بالإنسان سائر الحيوانات والملائكة والجنُّ، وخرج بقولهم:} حرٌّ} الرقيق، ولا يردُّ بنبوَّة لقمان فَإِنَّهُ قيل: ليس بنبيٍّ، بل تلميذ للأنبياء، وخرج بقولهم:} سليم من منفِّر طبعا} من كان به عِلَّة منفِّرة، كالعمى والبرص … ولا يردُّ ببلاء أَيُّوب وعمى يعقوب فَإِنَّهُ طارئ بعد النبوة، والكلام فيما قارنها(3).
2 - الفرق بين النبي والرسول:
«وها هنا بحث اجتهاديٌّ غير داخل في الحقائق القطعيَّة المتَّفق عَلَيْهَا، ولذا وقع فيه الخلاف بين العلماء، وهو: هل النبيُّ والرسول كلمتان» مترادفتان، أم مختلفتان في المدلول؟.
ذهب طائفة من العلماء إِلىَ أَنَّهُما مترادفتان، فَكُلُّ نبيٍّ رسول وَكُلُّ رسول نبيٌّ، غير أَنَّهُ بالنظر إِلىَ العلاقة بينه وبين الله يُسَمَّى نبيًّا، وَيُسَمَّى بالنظر إِلىَ العلاقة بينه وبين الناس رسولاً.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّ الرسل أعمُّ، لأَنَّ الرسل تكون من الملائكة أَيضًا.
وذهب كثيرون ـ ومنهم الجيطالي(4) وأبو سِتَّة والسالمي في التعريف الذي أوردناه سابقا ـ إِلىَ أَنَّ بينهما عُمُومًا وخصوصا مطلقا، إذ النبيُّ من أوحي إِلَيْهِ سواء أمر بالتبليغ أم لم يؤمر، وَأَمَّا الرسول فهو من أوحي إِلَيْهِ بشرع وكلِّف بتبليغه للناس. وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ رسول نبيٌّ، وليس كُلُّ نبيٍّ رسول(5). وَاستَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ:
- بقوله تَعَالىَ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فيِ أُمْنِيَّتِهِ … ﴾ (الحج: 52)، فذكْرُهُما في نصٍّ واحد إشارةٌ إِلىَ تغايرهما(6).
- وبحديث أبي ذرٍّ، «قال: قلت: يارسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربع وعشرون ألف، قال: قلت: يارسول الله، كم الرسل من ذَلِكَ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر … »(7). فَهَذَا الحديث يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرسل بعضٌ من الأنبياء.
الدليل على نبوة محمَّد وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
دَلِيل المعاصرين للنَّبِيء محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هو المشاهدة والعيان للآيات البَيِّنَات. وَأَمَّا الدَّلِيل لمن أتى بعده صلَّى الله عليه وسلَّم فيتمثل في تواتر الأخبار عن وجود النبيء، إذ تناقلت أخبارَه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم عَلَى الكذب، وَهَذَا التواتر يقهر النفس عَلَى التيقُّن بِصِحَّةِ الخبر، كما تتيقَّن بوجود مدينة تُسَمَّى مَكَّة، أو بلد يُسَمَّى الصين.
«وَأَمَّا بَقِيَّة الرسل مِمَّن يجب علينا الإيمان بهم فيكفي في إثبات نبوتهم إثبات رسالة نبينا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد أخبرنا برسالتهم وهو الصادق فيما بلَّغ»(8).
(1) نقله من الهيثمي أحمد بن حجر: المنح الْمَكِّيَّة في شرح الهمزية، ص8، شرح البيت الأَوَّل. (انظر: الجيطالي: قواعد، 1/ 84، هامش المحقق).
(2) انظر: حاشية أبي سِتَّة (أبي عبد الله محمَّد بن عمر بن أبي سِتَّة الشهير بالمحشِّي) عَلَى قواعد الإِسلاَم للجيطالي، 1/ 84. السالمي: مشارق، ص20، بتصرف؛ السالمي: بهجة، ص9، 100. وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).
وانظر أَيضًا: الثميني: معالم الدين: 2/ 50. القطب: شرح عقيدة التوحيد، ص54؛ الغسول، ص79، 81؛ الهميان، ط1، 10/ 222. ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 167. نقلا عن: وينتن: آراء، ص225 - 226.
(3) السالمي: المرجع نفسه.
(4) قال الشيخ الجيطالي: «والأنبياء أعمُّ من الرسل، لأَنَّ من الأنبياء أنبياء مرسلين، وأنبياء غير مرسلين». قواعد الإِسلاَم، 1/ 78.
(5) انظر: السالمي: مشارق، ص20. البوطي: كبرى اليقينيات، ص 183 - 184. وأحال عَلَى حاشية المرجاني عَلَى شرح الدواني عَلَى العقائد العضدية، 1/ 12.
(6) انظر: وينتن: آراء، ص226. وفيه مناقشة القاضي عبد الجَبَّار والزمخشري من المعتزلة للتفريق بين الرسول والنبي.
(7) انظر تخريج المحقق للحديث ومختلف رواياته وطرقه. الجيطالي، 1/ 80، هامش1.
(8) محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص93 - 95.